صدر حديثاً للدكتورة أمل حمدان الشريف كتابها الجديد بعنوان «رحلتي في الإدارة الثقافية»، والذي يمثل وثيقة معرفية وتطبيقية هامة تسلط الضوء على آليات الإدارة الثقافية الحديثة في المملكة العربية السعودية. يستند هذا المؤلف القيّم إلى سنوات طويلة من الخبرة العملية والمهنية للدكتورة أمل في قطاعات الثقافة، الإعلام، والإدارة، ويهدف بالدرجة الأولى إلى إثراء المكتبة العربية بمحتوى معرفي متخصص، ونقل الخبرات الميدانية المتراكمة إلى الأجيال الجديدة من الممارسين والمهتمين بصناعة الأثر الثقافي.
مفهوم الإدارة الثقافية كمنظومة استراتيجية متكاملة
يتجاوز الكتاب المفهوم التقليدي السائد الذي يختزل العمل الإداري في الجوانب التنظيمية والتنفيذية البحتة، ليقدم رؤية شاملة تعتبر الإدارة الثقافية منظومة متكاملة تقوم على التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، وبناء الشراكات الفعالة بين مختلف القطاعات، وإدارة المبادرات النوعية وقياس أثرها المجتمعي. وتؤكد المؤلفة عبر فصول كتابها أن نجاح أي مشروع ثقافي لا يقاس بضخامة الفعاليات أو عدد البرامج المنفذة، بل بمدى قدرته على إحداث تغيير إيجابي مستدام، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز دور الثقافة كرافد أساسي من روافد التنمية الشاملة.
الحراك الثقافي السعودي في ضوء رؤية المملكة 2030
يأتي صدور هذا الكتاب في توقيت استثنائي يشهد فيه القطاع الثقافي في المملكة العربية السعودية تحولاً تاريخياً غير مسبوق. فمنذ إطلاق رؤية المملكة 2030، وبتأسيس وزارة الثقافة السعودية في عام 2018، حظي هذا القطاع بدعم غير محدود من القيادة الرشيدة، مما أسهم في إعادة صياغة المشهد الإبداعي وتطوير بيئة العمل الثقافي لتصبح بيئة جاذبة ومحفزة للاستثمار والابتكار. لقد تحولت الثقافة من مجرد نشاط ترفيهي إلى محرك رئيسي للتنمية الوطنية والنمو الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يمنح كتاب الدكتورة أمل الشريف قيمة مضاعفة كونه يوثق هذه المرحلة الانتقالية الهامة من منظور ممارس أكاديمي وميداني عاصر هذه التحولات الكبرى.
أهمية توثيق التجارب الوطنية وأثرها الإقليمي والدولي
يمثل كتاب «رحلتي في الإدارة الثقافية» مرجعاً علمياً وعملياً يسهم في سد الفجوة المعرفية في المكتبة العربية والإقليمية حول إدارة الفنون والثقافة. محلياً، يدعم الكتاب بناء قدرات الكوادر السعودية الشابة وتأهيلها لقيادة المؤسسات الثقافية بكفاءة واقتدار. أما إقليمياً ودولياً، فإن توثيق التجربة السعودية الرائدة في هذا المجال يقدم نموذجاً ملهماً للدول الساعية إلى استثمار رأسمالها الثقافي والرمزي وتحويله إلى طاقة تنموية مستدامة. إن مشاركة هذه الخبرات تفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثقافي الدولي، وتبرز الحضور الحضاري للمملكة كمنارة للإشعاع المعرفي والإداري في المنطقة.
في الختام، يبرهن هذا الإصدار على أن صناعة الأثر الثقافي تتطلب مزيجاً فريداً بين التأصيل العلمي الأكاديمي والخبرة الميدانية العميقة. ومن خلال تحويل التجارب الشخصية والمهنية إلى معرفة مكتوبة ومتاحة للجميع، يضع الكتاب لبنة أساسية في جدار الاستدامة الثقافية، مما يجعله إضافة نوعية لا غنى عنها لكل باحث، ممارس، أو مهتم بمستقبل الثقافة والفنون في العالم العربي.


