في خطوة تصعيدية جديدة تعكس إصرار المجلس العسكري الحاكم على إحكام قبضته الأمنية، شنت سلطات ميانمار حملة اعتقالات واسعة طالت 229 شخصاً، في محاولة واضحة لقمع الأصوات المعارضة وتكميم الأفواه قبل الانتخابات المزمع إجراؤها. وتأتي هذه الاعتقالات كجزء من استراتيجية ممنهجة يتبعها الجيش لضمان سير العملية الانتخابية وفق رؤيته، وسط تشكيك واسع في نزاهتها من قبل المجتمع الدولي والقوى الديمقراطية المحلية.
سياق سياسي متوتر ومخاوف من تزوير الإرادة الشعبية
تأتي هذه الاعتقالات في وقت تشهد فيه ميانمار حالة من الغليان السياسي والأمني غير المسبوق. فمنذ استيلاء الجيش على السلطة، تحولت البلاد إلى ساحة صراع مفتوح بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية المطالبة بالديمقراطية. ويرى مراقبون أن اعتقال هذا العدد الكبير من الأشخاص في توقيت متزامن يهدف إلى توجيه رسالة ترهيب استباقية لأي حراك شعبي محتمل قد يعطل خطط المجلس العسكري لإضفاء الشرعية على حكمه عبر صناديق الاقتراع.
وتشير التقارير الحقوقية إلى أن التهم الموجهة للمعتقلين غالباً ما تكون فضفاضة وتتعلق بـ "التحريض" أو "تهديد الاستقرار العام"، وهي ذرائع تستخدمها السلطات العسكرية بشكل روتيني لاستهداف النشطاء السياسيين، والصحفيين، وأعضاء حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية الذي كانت تتزعمه الزعيمة المعتقلة أونغ سان سو تشي.
خلفية تاريخية: من الانقلاب إلى الأزمة المستمرة
لفهم أبعاد هذا الخبر، لا بد من العودة إلى الأول من فبراير عام 2021، حين نفذ الجيش في ميانمار انقلاباً عسكرياً أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة ديمقراطياً. هذا الحدث لم يكن مجرد تغيير في هرم السلطة، بل كان نقطة تحول أدخلت البلاد في نفق مظلم من العنف والفوضى الاقتصادية. منذ ذلك الحين، قتلت القوات الأمنية آلاف المتظاهرين السلميين، واعتقلت عشرات الآلاف، مما أدى إلى نشوء حركات مقاومة مسلحة في مختلف أنحاء البلاد.
ويحاول المجلس العسكري حالياً الخروج من عزلته الدولية عبر طرح خارطة طريق تتضمن إجراء انتخابات، إلا أن المعارضة تصف هذه الانتخابات بأنها "مسرحية هزلية" تهدف فقط إلى تبييض وجه النظام العسكري، خاصة في ظل استمرار اعتقال القيادات السياسية الشرعية وحظر الأحزاب الفاعلة.
التأثيرات الإقليمية والدولية للأزمة
لا تقتصر تداعيات ما يحدث في ميانمار على الشأن الداخلي فحسب، بل تمتد لتشكل أزمة إقليمية تؤرق دول جنوب شرق آسيا (آسيان). فاستمرار القمع والاعتقالات يعيق جهود المنظمة الإقليمية في تطبيق "توافق النقاط الخمس" الذي يهدف لإنهاء العنف. دولياً، تواصل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات اقتصادية على قادة الجيش والكيانات المرتبطة بهم، إلا أن الدعم الذي يتلقاه المجلس العسكري من بعض القوى الدولية الأخرى يمنحه متنفساً للاستمرار في سياساته القمعية.
إن اعتقال 229 شخصاً ليس مجرد رقم في نشرة أخبار، بل هو مؤشر خطير على أن ميانمار تتجه نحو مزيد من الانغلاق والاستبداد، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية لحماية المدنيين ودعم تطلعات الشعب البورمي في الحرية والديمقراطية.


