احتفالاً بيوم القصة العالمي، شهدت محافظة النماص أمسية ثقافية فريدة من نوعها، نظمتها سفارة جمعية الأدب المهنية بالمحافظة. تحت عنوان “القصة بين قلم الكاتب وقلم الناقد”، جمعت هذه الليلة السردية نخبة من المثقفين والأدباء، مقدمةً نموذجاً حياً للتفاعل البناء بين الإبداع الأدبي والتحليل النقدي العميق. أقيمت الأمسية في أحد المقاهي الثقافية بالنماص، وشهدت حضوراً لافتاً من المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي، مما يؤكد على حيوية المشهد الثقافي في المنطقة.
يوم القصة العالمي: احتفاء بتراث الإنسانية السردي
يُعد يوم القصة العالمي مناسبة سنوية تحتفي بفن السرد وأهميته في تشكيل الوعي الإنساني ونقل التجارب عبر الأجيال. فالقصة، منذ فجر التاريخ، كانت ولا تزال الوسيلة الأبرز لتوثيق الأحداث، وتجسيد العواطف، وتمرير الحكم والمعارف. من الحكايات الشفهية القديمة التي كانت تُروى حول النيران، إلى الروايات الملحمية والقصص القصيرة الحديثة، تتجلى قدرة السرد على تجاوز حدود الزمان والمكان، ليربط الإنسان بماضيه وحاضره ومستقبله. هذه الأمسية في النماص لم تكن مجرد احتفال محلي، بل جزءاً من حركة عالمية أوسع تهدف إلى إحياء وتقدير هذا الفن الأصيل، وتشجيع الأجيال الجديدة على القراءة والكتابة والنقد.
تألق إبداعي ونقدي في قلب النماص
أدار الأمسية ببراعة الأستاذ عبدالله فايز الشهري، الذي قدم للجمهور تجربة سردية ونقدية متكاملة. استهل الكاتب فيصل حسن الشهري الفقرة الأولى بقراءات قصصية مؤثرة، حيث استعرض ثلاثاً من قصصه: “قطعة شاردة”، و”الصرصرة”، و”قصة العيش بمزاج قرد”. وقد تميز عرض الشهري بتقديمه القصص “صوتياً وبصرياً”، وهي طريقة مبتكرة تهدف إلى تعميق التجربة السردية لدى الجمهور، وإشراكهم بشكل أكبر في عوالم القصص التي يقدمها. هذا التقديم المتعدد الحواس يعكس تطور أساليب العرض الأدبي وسعي المبدعين لكسر الحواجز التقليدية بين النص والمتلقي.
في الشق النقدي، قدم الدكتور علي أبو علامة قراءة نقدية معمقة لمجموعة الكاتب فيصل الشهري الإبداعية، وتحديداً مجموعته القصصية “فوضى انتباه”. ركز الدكتور أبو علامة في تحليله على تفكيك الرموز والدلالات الكامنة في نصوص الشهري، مستعرضاً كيف أن “الريش” يرمز إلى الاستتار والغموض، بينما تشير “الأحذية” إلى سلطة الواقع وتأثيره على الشخصيات والأحداث. وقد أشاد الناقد بقوة عناصر التجديد في نص الكاتب، مؤكداً على قدرته على بناء عوالم قصصية غنية بالمعاني والطبقات الدلالية، مما يثري التجربة القرائية ويفتح آفاقاً جديدة للتأويل.
أهمية الأمسيات الثقافية ودورها في المشهد الأدبي
تكتسب مثل هذه الأمسيات الثقافية أهمية بالغة على الصعيد المحلي والإقليمي. فمحافظة النماص، كغيرها من المدن السعودية، تشهد حراكاً ثقافياً متزايداً، مدعوماً بجهود الجمعيات الأدبية والمؤسسات الثقافية. هذه الفعاليات لا تقتصر على كونها منصات لعرض الإبداعات الأدبية فحسب، بل هي أيضاً مساحات حيوية للحوار وتبادل الأفكار بين الكتاب والنقاد والجمهور. إنها تسهم في صقل المواهب الشابة، وتشجيع القراءة النقدية، وتعزيز الذائقة الأدبية، مما ينعكس إيجاباً على المشهد الثقافي العام في المملكة العربية السعودية. كما أنها تعزز دور المقاهي الثقافية كفضاءات مجتمعية حاضنة للإبداع والتفاعل الفكري.
في ختام الأمسية، أثنى رئيس فريق سفارة جمعية الأدب المهنية بالنماص، الأستاذ ظافر الجبيري، على النجاح الباهر الذي حققته الأمسية في المزج بين الإبداع السردي والطرح النقدي الواعي. وقام بتكريم فرسان الليلة: الكاتب والناقد وعريف الأمسية، تقديراً لجهودهم وإسهاماتهم القيمة. كما وجه الجبيري شكره الخاص للمقهى المستضيف على دوره المجتمعي الفاعل في دعم الحراك الثقافي بالنماص، مؤكداً على أهمية الشراكات بين المؤسسات الثقافية والقطاع الخاص لتعزيز المشهد الثقافي المحلي.


