أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، عن التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بشأن مسارين عمليين يهدفان إلى نزع فتيل التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول جزيرة غرينلاند، وفي الوقت ذاته، تعزيز الأمن في منطقة القطب الشمالي ذات الأهمية الاستراتيجية المتزايدة. هذا الاتفاق يأتي في سياق تصاعد الاهتمام العالمي بالقطب الشمالي وتزايد التنافس الجيوسياسي فيه، مما يضع غرينلاند، التابعة للدنمارك، في قلب هذه التحديات.
وأوضح روته لأعضاء البرلمان الأوروبي أن المسار الأول يركز على تحمل حلف شمال الأطلسي مجتمعاً لمسؤولية أكبر في الدفاع عن القطب الشمالي. ويشمل هذا المسار دراسة أفضل السبل الجماعية لمنع تزايد النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، مشدداً على أن الناتو هو الجهة المسؤولة عن هذا الملف. تأتي هذه الخطوة في ظل تزايد الأنشطة العسكرية والاقتصادية لكل من روسيا والصين في القطب الشمالي، مما يثير قلق الدول الأعضاء في الناتو بشأن أمن الممرات الملاحية والموارد الطبيعية في المنطقة.
أما المسار الثاني، فيتعلق بمواصلة الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند للمناقشات الثنائية حول مستقبل الجزيرة. تعود جذور هذه المناقشات إلى اهتمام الرئيس ترمب المعلن في عام 2019 بشراء غرينلاند، وهو ما قوبل برفض قاطع من الدنمارك، مما أثار حينها توتراً دبلوماسياً بين البلدين. غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، وتكتسب أهمية جيوسياسية كبرى نظراً لموقعها الاستراتيجي بين أمريكا الشمالية وأوروبا، واحتوائها على موارد طبيعية غنية، فضلاً عن دورها المحتمل في الدفاع الصاروخي والإنذار المبكر.
وفي سياق متصل، رفض الأمين العام للناتو بشدة دعوات بعض السياسيين الأوروبيين لتشكيل جيش أوروبي منفصل، وهي دعوات ظهرت بقوة بعد حالة من الشك حول التزام الولايات المتحدة بأمن القارة الأوروبية، خاصة بعد التوترات المتعلقة بغرينلاند. وصرح روته لمؤيدي هذه الفكرة بأنها مجرد «حلم»، محذراً من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيرحب بها لأنها ستؤدي إلى إضعاف الجيوش الأوروبية وتشتيت جهودها. وأكد روته على ضرورة مواصلة الدول الأوروبية لجهودها في تحمل المزيد من المسؤولية عن أمنها، تلبية لمطالب ترمب، ولكن ضمن إطار التحالف عبر الأطلسي القائم، وليس خارجه.
وكان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس ومفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء أندريوس كوبيليوس من بين الشخصيات التي طرحت فكرة تشكيل قوة أوروبية مستقلة. هذه الدعوات تعكس تطلعات بعض الدول الأوروبية نحو تحقيق «الاستقلال الاستراتيجي» وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع، وهو نقاش مستمر داخل الاتحاد الأوروبي والناتو على حد سواء.
يُذكر أن ترمب كان قد تراجع في وقت سابق عن تهديداته بفرض رسوم جمركية على عدد من الدول بسبب موقفها من غرينلاند، معلناً أنه توصل إلى الخطوط العريضة لاتفاق مع الناتو بشأن مستقبل الجزيرة. وكان ترمب قد انتقد الناتو مراراً لاعتماده المفرط على الولايات المتحدة، مشدداً على ضرورة زيادة الدول الأعضاء لمساهماتها الدفاعية. هذه التطورات تؤكد على الأهمية المتزايدة للقطب الشمالي كساحة جديدة للتنافس الدولي، ودور الناتو المحوري في صياغة استراتيجيات الدفاع والأمن في هذه المنطقة الحيوية، مع الحفاظ على وحدة وتماسك التحالف عبر الأطلسي.


