تدرس بريطانيا بجدية فرض عقوبات جديدة على روسيا، وذلك في أعقاب اتهامات لندن وحلفائها للكرملين بالمسؤولية عن وفاة زعيم المعارضة الروسي البارز أليكسي نافالني. جاء هذا التطور بعد إعلان وفاة نافالني داخل سجن في سيبيريا في فبراير 2024، مما أثار موجة إدانات دولية واسعة ودعوات عاجلة لمحاسبة موسكو. وقد أشارت الحكومة البريطانية، ممثلة بوزير خارجيتها، إلى احتمال اتخاذ إجراءات عقابية إضافية، بحسب ما أوردته وكالات الأنباء البريطانية.
كان أليكسي نافالني شخصية محورية في المشهد السياسي الروسي، معروفًا بنشاطه المناهض للفساد وانتقاده الشديد للرئيس فلاديمير بوتين وحكومته. اكتسب شهرة واسعة من خلال تحقيقاته التي كشفت عن فساد مزعوم داخل النخبة الروسية، ونشرها عبر الإنترنت، مما جعله شوكة في خاصرة الكرملين. لم تكن وفاته في السجن هي المرة الأولى التي يتعرض فيها نافالني لمحاولة اغتيال أو استهداف. ففي أغسطس 2020، تعرض لتسميم بغاز الأعصاب “نوفيتشوك” المحظور دوليًا، وهو ما أكدته مختبرات أوروبية مستقلة. نجا نافالني من تلك المحاولة بعد تلقيه علاجًا في ألمانيا، لكنه اتهم الكرملين بالوقوف وراءها، وهو ما نفته روسيا بشدة. على الرغم من المخاطر الواضحة، عاد نافالني إلى روسيا في يناير 2021، حيث تم اعتقاله فور وصوله وحكم عليه بالسجن بتهم اعتبرها هو وأنصاره ودول غربية ذات دوافع سياسية.
في سياق الاتهامات الحالية بوفاته في السجن، أعلنت بريطانيا وحلفاؤها، بما في ذلك السويد وفرنسا وألمانيا وهولندا، مسؤولية الدولة الروسية عن وفاة نافالني. وبينما لم يتم الكشف عن تفاصيل دقيقة حول سبب الوفاة من قبل السلطات الروسية، التي أرجعتها إلى “متلازمة الموت المفاجئ”، فإن الدول الغربية تصر على ضرورة إجراء تحقيق مستقل وشفاف. وقد ذكرت بعض التقارير، بما في ذلك ما أوردته وكالة الأنباء البريطانية، أن نافالني ربما يكون قد تعرض للتسميم بمادة فتاكة، مثل سم “إيباتيدين” العصبي الذي تفرزه ضفادع السهام السامة في أمريكا الجنوبية. ومع ذلك، تبقى هذه التفاصيل محل تحقيق وتدقيق، في ظل رفض روسيا لهذه الاتهامات واعتبارها “هراءً غربيًا” و”خدعة دعائية”.
تأتي هذه التطورات لتزيد من حدة التوتر في العلاقات المتوترة بالفعل بين روسيا والغرب، والتي شهدت تدهورًا كبيرًا منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في 2014، وحادثة تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال في سالزبوري بالمملكة المتحدة عام 2018، وصولًا إلى الغزو الروسي لأوكرانيا. إن وفاة نافالني، الذي كان يُنظر إليه على أنه الرمز الأبرز للمعارضة الروسية، تحمل تداعيات خطيرة على المشهد السياسي الداخلي في روسيا، حيث قد تزيد من قمع الأصوات المعارضة وتحد من حرية التعبير.
على الصعيد الدولي، من المتوقع أن تؤدي هذه القضية إلى فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية على روسيا من قبل الدول الغربية، خاصة تلك التي تتبنى “قانون ماغنيتسكي” الذي يستهدف الأفراد والكيانات المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان. تسعى بريطانيا وحلفاؤها إلى إرسال رسالة واضحة مفادها أن انتهاكات حقوق الإنسان واستهداف المعارضين السياسيين لن يمر دون عواقب. هذه الإجراءات قد تشمل تجميد أصول، ومنع سفر، وقيودًا على التعاملات التجارية، مما قد يزيد الضغط على الاقتصاد الروسي ويؤثر على مكانتها الدولية. كما أن القضية تسلط الضوء مجددًا على أهمية مبادئ سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان في العلاقات الدولية، وتدعو المجتمع الدولي إلى التكاتف لضمان المساءلة عن مثل هذه الجرائم.


