كشف محافظ صندوق الاستثمارات العامة، الأستاذ ياسر الرميان، عن تفاصيل هامة تتعلق بمستقبل التنمية في المملكة، مؤكداً بشكل قاطع أنه لم يتم إلغاء أي مشروع من مشاريع نيوم. وأشار خلال المؤتمر الصحفي الحكومي المخصص لعرض إستراتيجية الصندوق للفترة من 2026 إلى 2030، إلى وجود توجيهات واضحة لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق بما يتماشى مع كفاءة التمويل وتحقيق المستهدفات الوطنية الطموحة. وأوضح أن مشروع “ذا لاين” يمثل أحد المكونات الأساسية، ولكنه لا يعكس الصورة الكاملة لنيوم، مشدداً على أهمية التمييز بين المشاريع الأساسية والعناصر الداعمة، مع اعتبار منطقة “أوكساغون” ركيزة محورية نظراً لتأثيرها الاقتصادي والصناعي الكبير.
السياق التاريخي والتحول الاقتصادي عبر مشاريع نيوم
منذ إطلاق رؤية المملكة 2030، برزت مشاريع نيوم كواحدة من أهم المبادرات العالمية التي تهدف إلى إعادة صياغة مفهوم الحياة الحضرية والاستدامة. أُعلن عن مشروع نيوم في عام 2017 ليكون بمثابة منطقة اقتصادية خاصة ووجهة عالمية للمبتكرين. وقد شهد صندوق الاستثمارات العامة تحولاً نوعياً منذ عام 2015، حيث انتقل من مجرد مستثمر مالي إلى محرك رئيسي للتنمية الاقتصادية، يدمج بين الاستدامة المالية والأهداف التنموية. وتأتي تصريحات الرميان لتؤكد أن تصنيف نيوم كمنظومة مستقلة ضمن الإستراتيجية الجديدة يعكس عمق الالتزام بتطوير هذا المشروع العملاق وإنجاحه، باعتباره أحد أبرز محركات التحول الاقتصادي في المملكة العربية السعودية.
إستراتيجية التمويل وجذب الاستثمارات الأجنبية
بيّن الرميان أن المرحلة القادمة من خطة الصندوق تستهدف تقليل الاعتماد المالي المباشر على خزانة الصندوق، وذلك عبر تعزيز كفاءة التمويل وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. كما تسعى الإستراتيجية إلى تمكين القطاع الخاص، بشقيه المحلي والدولي، من المشاركة الفاعلة في المشاريع الكبرى. وأكد أن إعادة ترتيب الاستثمارات هي عملية مستمرة وديناميكية، مدفوعة بالتحولات التكنولوجية السريعة مثل تطور الذكاء الاصطناعي، وتغير الأولويات الاقتصادية العالمية. وتركز إستراتيجية 2026-2030 على تحويل 13 قطاعاً حيوياً إلى 6 منظومات اقتصادية متكاملة، عبر ثلاث محافظ استثمارية رئيسية تشمل الاستثمارات الإستراتيجية، والمالية، ومحفظة الرؤية، بهدف تعظيم الأثر الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل الوطني.
الأثر الاقتصادي المحلي والدولي لنجاح المبادرات
يحمل نجاح إستراتيجية الصندوق تأثيراً بالغ الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، أسهم الصندوق بنحو ثلث نمو الناتج المحلي غير النفطي بين عامي 2021 و2024، ووفر آلاف الفرص الوظيفية، منها 12 ألف وظيفة في قطاع التصميم الهندسي وحده، مما يدعم سوق العمل ويعزز فرص التوظيف في القطاعات النوعية. أما على الصعيد الدولي، فقد أثبتت مبادرة مستقبل الاستثمار (FII) منذ انطلاقها جاذبية بيئة الاستثمار السعودية، حيث شهدت عقد صفقات واتفاقيات تتجاوز قيمتها الإجمالية 250 مليار دولار. هذا الحضور القوي يعزز من مكانة المملكة كمركز مالي واقتصادي عالمي يربط بين قارات العالم الثلاث.
التكيف مع التحديات الجيوسياسية وإعادة التموضع
تطرق الرميان إلى التحديات العالمية الراهنة، مؤكداً أن تداعيات الحروب والأزمات الجيوسياسية تمتد لتؤثر على الاقتصاد الدولي بأسره. ويشمل ذلك ارتفاع أسعار النفط، وتكاليف الشحن والتأمين، وأسعار الغذاء، إلى جانب اضطرابات سلاسل الإمداد التي أثرت بشكل مباشر على قطاعات صناعية وتقنية حيوية مثل صناعة الرقائق الإلكترونية. وحول تأثير هذه الأزمات على الاستثمارات والصفقات الخارجية، أوضح أن الصندوق يقوم بمراجعة مستمرة لجميع الاستثمارات والأولويات. ولفت إلى أن هذه المراجعات لا تعني بالضرورة إلغاء استثمار بعينه، بل تعكس إدارة مرنة للأولويات وفق المعطيات الاقتصادية. وأشار إلى أن الأزمات تفرض ضغطاً أكبر لإعادة التموضع، إلا أن إستراتيجية الصندوق طويلة الأجل وتمتد حتى عام 2030، مما يمنحها المرونة الكافية لامتصاص الصدمات المرحلية.
الاستثمار الرياضي وتعزيز الحوكمة المالية
في سياق متصل بالاستثمارات المتنوعة، كشف الرميان عن قرب الإعلان عن بيع حصة الصندوق في أحد الأندية الرياضية. وأكد أن الهدف الأساسي من الدخول في الاستثمار الرياضي كان تحسين الحوكمة والاستدامة المالية للأندية، وهو ما تحقق جزئياً مع ارتفاع إيرادات المباريات بنسبة بلغت 120%. وأشار إلى أن التوجه المستقبلي يتضمن التخارج الجزئي من بعض الاستثمارات الرياضية، مما يتيح إعادة تدوير رأس المال وضخه في قطاعات جديدة واعدة، بما يضمن استمرار الصندوق في تحقيق مستهدفاته وتعزيز دوره المحوري في دعم الاقتصاد السعودي وتنويع مصادر الدخل رغم كل التحديات العالمية.


