تصعيد إسرائيلي في واشنطن بالتزامن مع المفاوضات النووية
في خطوة تعكس عمق القلق الإسرائيلي وتزيد من تعقيدات المشهد في الشرق الأوسط، يتوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. الهدف المعلن للزيارة هو التأثير على مسار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية غير المباشرة، وذلك عبر طرح “خيارات عسكرية” محتملة وإبقائها على الطاولة كأداة ضغط أساسية. تأتي هذه الزيارة في وقت حساس، حيث تبدي كل من طهران وواشنطن “تفاؤلاً حذراً” بعد جولة محادثات استضافتها مسقط، مما يضع مساعي نتنياهو في مواجهة مباشرة مع المسار الدبلوماسي الحالي.
خلفية تاريخية من العداء والشكوك
لم تكن المواجهة بين إسرائيل وإيران وليدة اللحظة. على مدى عقود، نظرت إسرائيل إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديداً وجودياً لأمنها القومي. هذا الموقف دفعها مراراً إلى التلويح بعمل عسكري استباقي، مستحضرةً ذاكرة عمليات سابقة مثل تدمير المفاعل النووي العراقي “أوزيراك” عام 1981. وقد بلغت التوترات ذروتها مع توقيع الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015، الذي عارضه نتنياهو بشدة، معتبراً أنه لا يفعل ما يكفي لكبح طموحات إيران النووية. وكان قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاق عام 2018 بمثابة انتصار لنتنياهو، لكنه أعاد المنطقة إلى حافة المواجهة، وفتح الباب أمام جولات جديدة من المفاوضات والضغوط التي نشهدها اليوم.
مناقشة الخيارات العسكرية وتقديم معلومات استخباراتية
وفقاً لمصادر إسرائيلية نقلتها شبكة CNN، يعتزم نتنياهو أن يناقش مع ترامب سيناريوهات عسكرية بديلة في حال فشل المفاوضات الدبلوماسية. ورغم تشككها في فرص نجاح الحوار، تسعى إسرائيل لضمان “حرية العمل العسكري” ضمن أي اتفاق محتمل قد يتم التوصل إليه. ولتعزيز موقفه، يخطط نتنياهو لتقديم معلومات استخباراتية جديدة حول القدرات العسكرية الإيرانية، مع التركيز بشكل خاص على برنامج الصواريخ الباليستية. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن إيران قد تتمكن من إعادة بناء ترسانتها الصاروخية لتصل إلى ما بين 1800 و2000 صاروخ باليستي في غضون أسابيع أو أشهر قليلة، وهو ما تعتبره تل أبيب تغييراً خطيراً في ميزان القوى الإقليمي.
تأثيرات إقليمية ودولية محتملة
إن التلويح بالخيار العسكري له تداعيات تتجاوز حدود إسرائيل وإيران. على الصعيد الإقليمي، يهدد هذا التصعيد بزعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وقد يدفع وكلاء إيران في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان والفصائل المسلحة في سوريا والعراق، إلى التحرك، مما يشعل حرباً متعددة الجبهات. أما دولياً، فإن أي مواجهة عسكرية ستؤدي حتماً إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط، فضلاً عن تقويض الجهود الدبلوماسية التي تبذلها القوى الأوروبية وروسيا والصين لإنقاذ المسار السلمي. موقف نتنياهو يضعه في خلاف مع حلفاء واشنطن الأوروبيين الذين يفضلون الحلول الدبلوماسية على المواجهة العسكرية.
مطالب إسرائيلية واضحة ورغبة أمريكية في الاتفاق
حدد نتنياهو ثلاثة مطالب رئيسية سيعرضها على ترامب: التفكيك الكامل لمنشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية، فرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء الدعم الإيراني للجماعات المسلحة في المنطقة. في المقابل، ورغم استخدامه لغة التهديد العسكري كأداة ضغط، يبدو أن الرئيس ترامب يرغب في التوصل إلى اتفاق يمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية وصواريخ بعيدة المدى. وقد صرح قائلاً: “أعتقد أنهم يريدون إبرام اتفاق، سيكون من الحماقة إذا لم يفعلوا”. وفي إطار استعراض القوة، أشار ترامب إلى إمكانية إرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة استعداداً لأي طارئ.
في خضم هذه التحركات، يبقى الوضع معلقاً بين مسارين: مسار دبلوماسي هش تحاول سلطنة عمان رعايته، ومسار تصعيدي تدفع به إسرائيل بقوة، مما يجعل زيارة نتنياهو إلى واشنطن محطة مفصلية قد تحدد وجهة المنطقة في المستقبل القريب.


