يمثل إطلاق نظام جديد مخصص للحرف والصناعات اليدوية خطوة استراتيجية ومحورية نحو صون جزء أصيل من الهوية الثقافية والتراث الوطني، وفي الوقت ذاته، يفتح آفاقاً واسعة وفرصاً ذهبية أمام الحرفيين الموهوبين. يهدف هذا النظام إلى إحداث نقلة نوعية في قطاع لطالما كان ركيزة أساسية في الاقتصادات المحلية ومرآة تعكس عراقة الشعوب وإبداعها.
لطالما شكلت الحرف اليدوية جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والاقتصادي في العديد من الدول، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فمنذ آلاف السنين، كانت هذه الصناعات، سواء كانت فخاراً، نسجاً، تطريزاً، نحاسيات، أو صناعة الجلود، ليست مجرد مهن لكسب الرزق، بل كانت وسيلة لحفظ القصص، نقل المهارات عبر الأجيال، وتجسيد القيم الجمالية والثقافية للمجتمعات. ومع ذلك، واجه هذا القطاع تحديات جمة في العقود الأخيرة، من بينها المنافسة الشرسة من المنتجات الصناعية الرخيصة، وصعوبة الوصول إلى الأسواق الحديثة، وتراجع أعداد الشباب المهتمين بتعلم هذه الحرف، بالإضافة إلى غياب الأطر القانونية الكافية لحماية الملكية الفكرية للحرفيين.
يأتي نظام كهذا ليعالج هذه التحديات بشكل منهجي ومتكامل. فمن جانب حماية التراث، يسعى النظام إلى تسجيل وتوثيق الحرف التقليدية المهددة بالاندثار، وتصنيفها، ووضع آليات لضمان استدامتها. يشمل ذلك دعم ورش العمل التقليدية، وتشجيع نقل المعرفة من الحرفيين المخضرمين إلى الأجيال الجديدة من خلال برامج تدريب وتأهيل متخصصة. كما يهدف إلى حماية المنتجات الحرفية الأصيلة من التقليد والغش، مما يضمن الحفاظ على جودتها وقيمتها الفنية والتاريخية، ويعزز من مكانتها في الأسواق المحلية والدولية.
أما بالنسبة للحرفيين، فإن هذا النظام يمثل بالفعل “فرصة ذهبية” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فهو يوفر لهم بيئة داعمة تمكنهم من تطوير مهاراتهم، والوصول إلى مواد خام عالية الجودة بأسعار مناسبة، والأهم من ذلك، فتح قنوات تسويقية جديدة. يمكن أن يشمل ذلك إنشاء منصات إلكترونية لتسويق منتجاتهم، وتنظيم معارض محلية ودولية، وتسهيل مشاركتهم في الأسواق العالمية. كما يهدف إلى توفير الدعم المالي والتقني، وتقديم الاستشارات القانونية لحماية حقوق الملكية الفكرية لتصاميمهم ومنتجاتهم الفريدة، مما يضمن لهم عوائد عادلة لجهودهم وإبداعاتهم.
إن التأثير المتوقع لمثل هذا النظام يتجاوز البعد المحلي ليشمل أبعاداً إقليمية ودولية. فعلى الصعيد المحلي، سيساهم في خلق فرص عمل جديدة، خاصة للشباب والنساء في المناطق الريفية والحضرية، ويعزز من الاقتصاد التشاركي. إقليمياً، يمكن أن يصبح نموذجاً يحتذى به لدول أخرى تسعى لحماية تراثها وتمكين حرفييها. دولياً، سيعزز من مكانة الدولة كحاضنة للتراث الإنساني الغني، ويجذب السياح المهتمين بالثقافة الأصيلة والمنتجات اليدوية الفريدة، مما يدعم قطاع السياحة ويزيد من تدفق العملات الأجنبية. إنه استثمار في الإنسان، في الثقافة، وفي المستقبل المستدام.


