تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية تحركات مكثفة خلف الكواليس، قد تعيد رسم خارطة اليمين وتُمهد لظهور ليكود جديد، في خطوة من شأنها أن تهدد زعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي طال أمده. هذه الاتصالات السرية تجري بين شخصيات بارزة من اليمين الإسرائيلي بهدف تأسيس إطار سياسي جديد، يُعرف مبدئيًا باسم «الليكود ب»، ويهدف إلى تشكيل حكومة واسعة ومستقرة بعيدًا عن المكونات المتطرفة التي غالبًا ما تُعقد المشهد السياسي.
تحولات عميقة في المشهد السياسي الإسرائيلي
تأتي هذه التحركات في ظل فترة عصيبة تمر بها إسرائيل، حيث تعاني الساحة السياسية من حالة جمود واضطراب غير مسبوقة، تمثلت في جولات انتخابية متكررة وعدم استقرار حكومي. لقد شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا في الاستقطاب السياسي، خاصة داخل اليمين، حيث أدت قضايا مثل الإصلاح القضائي المثير للجدل، والتحديات الأمنية المتصاعدة، والحرب المستمرة في غزة، إلى تآكل الثقة في القيادة الحالية. يرى العديد من المراقبين أن هذه الظروف قد خلقت بيئة مواتية لبروز قوى سياسية جديدة تسعى لتقديم بديل للوضع الراهن.
الخلفية التاريخية لسيطرة الليكود وتحديات نتنياهو
لطالما كان حزب الليكود، منذ تأسيسه على يد مناحيم بيغن، القوة المهيمنة على اليمين الإسرائيلي، وشكل بنيامين نتنياهو، الذي يُعد أطول رؤساء الوزراء خدمة في تاريخ إسرائيل، رمزًا لهذه الهيمنة. ومع ذلك، فإن فترة حكمه الطويلة، التي تجاوزت 16 عامًا، لم تخلُ من التحديات الداخلية والخارجية. فبالإضافة إلى مواجهته اتهامات بالفساد، واجه نتنياهو انتقادات متزايدة بسبب اعتماده على أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الدينية المتشددة لتشكيل ائتلافاته الحكومية، مما أثار استياء قطاعات واسعة داخل اليمين نفسه، ممن يرون أن هذا التحالف يضر بالصورة العامة للحزب ويحد من قدرته على الحكم بفعالية.
«ليكود جديد»: طموحات تشكيل حكومة واسعة
كشفت «القناة 12» العبرية أن هذه المبادرة تجري بعيدًا عن الأضواء، وأن أي تغيير ملموس قد يستغرق عدة أشهر. ووفقًا لمصادر إسرائيلية، فإن الاتصالات الجارية تضم شخصيات بارزة من اليمين، مثل يولي إدلشتاين، موشيه كحلون، وجدعون ساعر، بالإضافة إلى أسماء أخرى. تهدف هذه الشخصيات إلى بناء تيار يميني رسمي يبتعد عن الاستقطاب الحاد الذي يميز السياسة الإسرائيلية حاليًا، ويسعى لتشكيل حكومة واسعة تستند إلى ما يوصف بـ«اليمين الرسمي»، مع استبعاد القوى التي تُصنف على أنها متشددة، في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي.
تحديات الهوية والقيادة في الكيان الجديد
على الرغم من التوافق النسبي على الخطوط العامة للمشروع، فإنه لا يزال يواجه تحديًا جوهريًا يتمثل في هوية المرشح لرئاسة الحكومة. فبينما تدعم بعض الأطراف أسماء مثل نفتالي بينت أو غادي آيزنكوت لقيادة هذا الكيان الجديد، لا يزال آخرون يفضلون بقاء بنيامين نتنياهو، مما يخلق فجوة داخلية قد تعرقل بلورة الكيان الجديد. وتبرز شخصية جدعون ساعر كعنصر محوري في هذه المعادلة، حيث تشير التقديرات إلى تردده في الانضمام، مع دراسة خيار الترشح للقيادة في مرحلة ما بعد نتنياهو، مما يعكس التعقيدات المحيطة بتحديد الهوية القيادية لهذا التجمع السياسي الطموح.
تداعيات محتملة على الساحة المحلية والإقليمية
إن ظهور ليكود جديد أو أي كيان يميني بديل يمكن أن يحمل تداعيات عميقة على الساحة الإسرائيلية. محليًا، قد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية، وربما ينهي حقبة نتنياهو الطويلة، ويفتح الباب أمام تشكيل حكومات أكثر اعتدالًا أو على الأقل أقل اعتمادًا على الأحزاب المتطرفة. هذا قد يؤثر على السياسات الداخلية المتعلقة بالإصلاح القضائي، والميزانية، والقضايا الاجتماعية، مما قد يقلل من حدة الانقسامات المجتمعية.
إقليميًا ودوليًا، قد يُنظر إلى حكومة إسرائيلية يقودها تيار يميني أكثر اعتدالًا بشكل مختلف من قبل المجتمع الدولي. قد يؤدي ذلك إلى تغييرات في نهج إسرائيل تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وربما يفتح آفاقًا جديدة للدبلوماسية الإقليمية، خاصة مع الدول التي وقعت اتفاقيات أبراهام. ومع ذلك، فإن مدى هذا التأثير سيعتمد بشكل كبير على الأجندة السياسية الفعلية للقيادة الجديدة وقدرتها على تحقيق التوافق الداخلي والخارجي. إن هذه التحركات، وإن كانت لا تزال في مراحلها الأولية، تشير إلى رغبة متزايدة في التغيير داخل اليمين الإسرائيلي، مما قد يمهد لمرحلة جديدة في تاريخ السياسة الإسرائيلية.


