دخل العالم مرحلة حرجة وغير مسبوقة في مجال ضبط التسلح النووي بعد انتهاء سريان معاهدة “نيو ستارت” (New START) رسمياً. هذه المعاهدة، التي كانت تمثل آخر اتفاقية رئيسية وملزمة قانونياً للحد من الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، القوتين النوويتين الأكبر عالمياً، تركت فراغاً مقلقاً يثير مخاوف جدية من سباق تسلح نووي جديد وتصاعد التوترات الدولية.
السياق التاريخي وأهمية ضبط التسلح
تعود جذور جهود ضبط التسلح النووي إلى حقبة الحرب الباردة، التي شهدت تنافساً محموماً وتراكماً خطيراً للترسانات النووية بين القوتين العظميين آنذاك. كانت معاهدات مثل SALT I وSALT II وSTART I حجر الزاوية في إدارة هذا التهديد الوجودي، حيث وضعت قيوداً على عدد الرؤوس الحربية والصواريخ، وعززت الشفافية بين الجانبين. جاءت معاهدة “نيو ستارت”، التي وقعت عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ في 2011، كامتداد لهذه الجهود الحيوية، بهدف خفض التوتر ومنع العودة إلى سباق التسلح الذي ساد لعقود. لقد مثلت التزاماً من أكبر دولتين نوويتين بضبط النفس المتبادل.
أهداف وآليات معاهدة “نيو ستارت”
استهدفت “نيو ستارت” تقليص عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs) والصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات (SLBMs) والقاذفات الثقيلة المنتشرة. حددت المعاهدة لكل طرف 1550 رأساً حربياً نووياً استراتيجياً منتشراً، و700 من الصواريخ والقاذفات الاستراتيجية المنتشرة. الأهم من ذلك، أنها تضمنت آليات تحقق قوية، بما في ذلك عمليات التفتيش في الموقع وتبادل البيانات، مما عزز الثقة وقدم رؤى حاسمة حول ترسانات كل طرف. كان هدفها الأساسي تعزيز القدرة على التنبؤ والاستقرار، وتجنب العودة إلى سباق تسلح غير مقيد.
انتهاء المعاهدة والواقع الجيوسياسي المتوتر
على الرغم من تمديد المعاهدة لخمس سنوات إضافية في عام 2021، إلا أنها انتهت رسمياً في فبراير 2026 دون التوصل إلى اتفاق بديل. يُعزى هذا الفشل إلى التدهور الحاد في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، والذي تفاقم بسبب التوترات الجيوسياسية، لا سيما الصراع في أوكرانيا. علقت روسيا مشاركتها في نظام التفتيش الخاص بالمعاهدة في أوائل عام 2023، مستشهدة بالدعم الأمريكي لأوكرانيا، مما كان إشارة واضحة لتراجع التزامها.
تداعيات عالم بلا قيود نووية
إن غياب “نيو ستارت” يعني عدم وجود قيود قانونية ملزمة على الترسانات النووية الاستراتيجية للولايات المتحدة وروسيا، اللتين تمتلكان مجتمعتين أكثر من 90% من الأسلحة النووية في العالم. هذا الفراغ قد يؤدي إلى بناء غير مقيد للأسلحة، مما يزيد من مخاطر سوء التقدير، والإطلاق العرضي، وانتشار الأسلحة النووية. كما يفتح الباب أمام تطوير ونشر أنظمة أسلحة جديدة ومزعزعة للاستقرار دون أي رقابة.
تأثير على الاستقرار العالمي والاقتصاد
يمتد التأثير إلى ما هو أبعد من القوتين العظميين. قد تشعر الدول النووية الأخرى، مثل الصين وفرنسا والمملكة المتحدة، بضرورة إعادة تقييم مواقفها النووية. الصين، على وجه الخصوص، توسع ترسانتها النووية بسرعة، وقد يؤدي غياب إطار عمل أمريكي-روسي إلى تعقيد جهود ضبط التسلح المتعددة الأطراف في المستقبل. يصبح العالم مكاناً أكثر خطورة ولا يمكن التنبؤ به.
على الصعيد الاقتصادي، سيؤدي سباق التسلح المتجدد إلى زيادات هائلة في الإنفاق الدفاعي، وتحويل الموارد بعيداً عن مجالات حيوية مثل الرعاية الصحية والتعليم ومبادرات مكافحة تغير المناخ. يمكن لهذا العبء الاقتصادي أن يجهد الميزانيات الوطنية، ويزيد من عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي، ويزيد من قلق الأسواق، مما قد يؤثر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية مع ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
المستقبل الدبلوماسي
يمثل انتهاء معاهدة “نيو ستارت” تحدياً عاجلاً للدبلوماسية الدولية. يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية المكثفة ستنجح في سد الفجوات العميقة بين القوى النووية لصياغة اتفاقيات جديدة تعيد الاستقرار الاستراتيجي، أم أن العالم يتجه بالفعل نحو حقبة نووية أكثر خطورة وغير منظمة. إن المخاطر التي تتهدد السلام والأمن العالميين لم تكن أعلى من أي وقت مضى.


