في خطوة حاسمة تنهي أشهراً من الترقب والجمود، أعلن مجلس النواب العراقي اليوم السبت اختيار مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، لتتوج الجلسة بإعلان نزار آميدي رئيساً للعراق، خلفاً للرئيس المنتهية ولايته عبداللطيف جمال رشيد. يأتي هذا الإعلان بعد خمسة أشهر من إجراء الانتخابات التشريعية بدورته السادسة أواخر العام 2025، ليفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة طال انتظارها.
تفاصيل الجلسة البرلمانية الحاسمة
باشر مجلس النواب العراقي عقد جلسته المخصصة للتصويت على رئيس جمهورية جديد وسط اعتراضات من قبل بعض القوى السياسية، لعدم تحقيق التوافق الذي يسبق عادة الجلسات المهمة والحساسة. وأخفق المجلس في الجولة الأولى بحسم المنصب، لعدم تحقيق أي من المرشحين الأربعة المتنافسين أغلبية ثلثي الأصوات. إثر ذلك، ذهب المجلس إلى الجولة الثانية التي اقتصرت على آميدي والمرشح المستقل مثنى أمين نادر لتحقيقهما أعلى الأصوات، مع استبعاد المرشحين فؤاد حسين وعبدالله العلياوي. وفي النهاية، حصد آميدي 227 صوتاً ليحسم السباق الرئاسي لصالحه، فيما توعد رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي باتخاذ الإجراءات القانونية بحق المشككين بالنصاب القانوني للجلسة.
السياق التاريخي للتوازنات السياسية في العراق
منذ سقوط نظام حزب البعث برئاسة الراحل صدام حسين عام 2003 على يد القوات الأمريكية وحلفائها، تأسس عرف سياسي في العراق يُعرف بـ”المحاصصة التوافقية”. وبموجب هذا العرف الدستوري والسياسي، يُسند منصب رئيس الجمهورية إلى المكون الكردي، وتحديداً لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني في أغلب الدورات، بينما تذهب رئاسة الوزراء للمكون الشيعي، ورئاسة البرلمان للمكون السني. باختيار نزار آميدي، يصبح هو الرئيس السادس للجمهورية في حقبة ما بعد 2003، مما يعكس استمرار الالتزام بهذه التوازنات الدقيقة التي تهدف إلى ضمان تمثيل المكونات العراقية الرئيسية في هرم السلطة وتجنب الانقسامات الحادة.
من هو نزار آميدي؟ مسيرة علمية وسياسية حافلة
وُلد آميدي في 6 فبراير 1968 في محافظة دهوك، وهي منطقة عُرفت بعمقها التاريخي والثقافي في إقليم كردستان. اتجه منذ بداياته نحو المسار العلمي، فدرس الهندسة في جامعة الموصل مطلع تسعينيات القرن الماضي. بدأ حياته المهنية مدرساً لمادة الفيزياء، قبل أن ينتقل سريعاً إلى العمل الحزبي ضمن صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني، حيث تدرّج في مواقع تنظيمية متعددة بين عامي 1994 و2003، وصولاً إلى إدارة مكتب الأمين العام للحزب.
تدرج المناصب وصولاً إلى إعلان نزار آميدي رئيساً للعراق
مع التحولات السياسية التي شهدها العراق بعد 2003، أصبح آميدي جزءاً من الدائرة الضيقة المحيطة بصناع القرار. عمل مساعداً في مجلس الحكم، ثم سكرتيراً شخصياً للرئيس الراحل جلال طالباني، قبل أن يتولى إدارة مكتبه لسنوات طويلة (2008–2014). واصل حضوره في قلب المؤسسة الرئاسية كمدير لمكتب رئيس الجمهورية خلال عهود فؤاد معصوم، وبرهم صالح، وعبداللطيف رشيد. كما مثّل الرئاسة في مجلس الوزراء، وشارك في اللجنة الوزارية للأمن الوطني، واللجنة الرئاسية المعنية بإدراج الأهوار على لائحة التراث العالمي. وفي حكومة محمد شياع السوداني، تولى حقيبة وزارة البيئة، وركز على ملفات التغير المناخي، قبل استقالته في أكتوبر 2024 للتفرغ للعمل الحزبي، ليتم ترشيحه رسمياً للرئاسة في يناير 2026.
التأثير المتوقع لانتخاب الرئيس الجديد محلياً وإقليمياً
يحمل هذا الانتخاب دلالات عميقة وأهمية بالغة تتجاوز مجرد ملء فراغ دستوري. فعلى الصعيد المحلي، يمثل هذا الحدث نهاية لحالة “الانسداد السياسي” التي خيمت بظلالها على البلاد. وباكتمال هذه الحلقة، تتجه الأنظار نحو “الإطار التنسيقي” (الكتلة الأكبر) لتقديم مرشحه لمنصب رئيس مجلس الوزراء خلال 15 يوماً للبدء بتشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن استقرار المؤسسات الدستورية في العراق يبعث برسائل طمأنة للمجتمع الدولي. فالعراق يلعب دوراً محورياً في استقرار الشرق الأوسط، ووجود قيادة متوافق عليها يساهم في تعزيز العلاقات الدبلوماسية، ومواصلة جهود بغداد في التوسط لحل النزاعات الإقليمية، فضلاً عن استكمال المشاريع التنموية التي يحتاجها الشارع العراقي.


