spot_img

ذات صلة

كوريا الشمالية: حي جديد لعائلات قتلى حرب أوكرانيا وتعاون عسكري مع روسيا

في خطوة تعكس عمق التزامها بدعم روسيا في حرب أوكرانيا وتؤكد مجدداً مشاركة جنودها في الصراع، أعلنت كوريا الشمالية عن تدشين حي سكني جديد في العاصمة بيونغ يانغ. هذا الحي، الذي يحمل اسم “شارع سايبول”، خُصص لعائلات الجنود الذين فقدوا حياتهم أثناء القتال إلى جانب القوات الروسية، وفقاً لما نقلته وكالة أسوشيتد برس. ويأتي هذا الإعلان في سياق تصاعد ملحوظ للتعاون العسكري والسياسي بين بيونغ يانغ وموسكو، وتزامناً مع استعداد كوريا الشمالية لعقد مؤتمر حاسم للحزب الحاكم.

تاريخياً، لطالما اعتمدت كوريا الشمالية، تحت قيادة سلالة كيم، على سياسة “سونغون” (الجيش أولاً) لتعزيز شرعية نظامها والحفاظ على استقراره في مواجهة العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية. وقد ورث الزعيم كيم جونغ أون هذا النهج، مستخدماً المشاريع الكبرى والاحتفالات العامة لتعزيز صورته كقائد يهتم بشعبه وجيشه. إن بناء حي سكني لضحايا الحرب في أوكرانيا يندرج ضمن هذا الإطار، حيث يهدف إلى تكريم الجنود الذين يُنظر إليهم كـ”شهداء” في الرواية الرسمية، وتوفير العزاء لعائلاتهم، وبالتالي تعزيز الولاء للنظام وتبرير التضحيات أمام الشعب.

المشروع الجديد، الذي افتتحه الزعيم كيم جونغ أون بنفسه برفقة ابنته، التي تزداد ظهوراتها العلنية بشكل لافت، يرمز إلى “روح وتضحية” الجنود الذين سقطوا، بحسب تصريحات كيم. وأكد أن هذه المنازل تهدف إلى تمكين العائلات الثكلى من “الفخر بأبنائها وأزواجها والعيش بسعادة”، مشدداً على أنه ضغط لإنجاز المشروع “حتى قبل يوم واحد من الموعد” لتقديم “قدر ولو بسيط من العزاء” لهم. هذه اللفتة، وإن كانت رمزية، تحمل دلالات قوية على المستوى الداخلي، حيث تسعى القيادة لإظهار اهتمامها المباشر بالجنود وعائلاتهم، في محاولة لامتصاص أي استياء محتمل من الخسائر البشرية في صراع خارجي.

على الصعيد الجيوسياسي، يمثل هذا الإعلان تأكيداً إضافياً على التحالف المتنامي بين كوريا الشمالية وروسيا، والذي تعمق بشكل كبير منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا. ففي الأشهر الماضية، أرسلت بيونغ يانغ آلاف الجنود وكميات هائلة من المعدات العسكرية، بما في ذلك قذائف المدفعية والصواريخ، لدعم المجهود الحربي الروسي. هذا الدعم، الذي يأتي في ظل تقارب ملحوظ بين الزعيمين كيم جونغ أون وفلاديمير بوتين، يُنظر إليه على أنه تحدٍ مباشر للولايات المتحدة وحلفائها، حيث يسعى كل من البلدين لمواجهة توتراتهما المنفصلة مع واشنطن وتعزيز نفوذهما في نظام عالمي متعدد الأقطاب.

وفقاً لمصادر استخباراتية كورية جنوبية وأوكرانية وغربية، فقد أرسلت كوريا الشمالية نحو 14 ألف جندي للقتال إلى جانب القوات الروسية في أوكرانيا خلال عام 2024 وحده، ولقي أكثر من 6 آلاف منهم حتفهم. هذه الأرقام، إن صحت، تشير إلى حجم التضحيات البشرية التي تدفعها بيونغ يانغ في هذا الصراع. وفي المقابل، تستفيد القوات الكورية الشمالية من هذه المشاركة عبر اكتساب خبرة قتالية حديثة ودعم تقني روسي، وهو ما قد يسهم في تحسين أداء أنظمتها التسليحية المتطورة، بحسب تقارير استخباراتية كورية جنوبية. هذا التبادل يمثل صفقة مربحة للطرفين: روسيا تحصل على الذخيرة والقوى البشرية، وكوريا الشمالية تحصل على التكنولوجيا والخبرة التي تحتاجها لتحديث جيشها وتجاوز العقوبات.

تأثيرات هذا التعاون تتجاوز الحدود المحلية والإقليمية. فعلى المستوى الإقليمي، يزيد هذا التحالف من التوترات في شبه الجزيرة الكورية، حيث ترى سول وواشنطن وطوكيو في هذا التقارب تهديداً مباشراً لأمنها واستقرار المنطقة. كما أنه يقوض جهود نزع السلاح النووي الكوري الشمالي، حيث قد تستغل بيونغ يانغ الدعم الروسي لتعزيز قدراتها النووية والصاروخية. دولياً، يمثل هذا التحالف تحدياً للعقوبات الدولية المفروضة على كوريا الشمالية وروسيا، ويساهم في إعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية العالمية، مع تزايد التكتلات المناهضة للغرب.

يأتي تشييد “شارع سايبول” قبيل مؤتمر كبير للحزب الحاكم من المقرر عقده هذا الشهر، حيث يُتوقع أن يعلن كيم جونغ أون خلاله عن أبرز أهدافه في السياسة الداخلية والخارجية للسنوات الخمس القادمة. من المرجح أن يستغل كيم هذا المؤتمر لتعزيز قبضته على السلطة، وتقديم رؤيته لمستقبل البلاد، والتي ستشمل بلا شك استمرار التعاون مع روسيا كركيزة أساسية لسياستها الخارجية، وتبرير التضحيات التي يقدمها الجنود الكوريون الشماليون في سبيل “قضية مشتركة” مع حلفائها.

spot_imgspot_img