أصدر رئيس ائتلاف دولة القانون ومرشح الإطار التنسيقي لرئاسة الوزراء في العراق، نوري المالكي، بياناً شديد اللهجة ردّ فيه على المواقف الأمريكية الأخيرة، مؤكداً رفضه المطلق لأي تدخل خارجي في الشأن العراقي. واعتبر المالكي أن التصريحات الصادرة من واشنطن تمثل انتهاكاً مباشراً لسيادة العراق ومحاولة غير مقبولة للتأثير على قرار الإطار التنسيقي في اختيار مرشحه لرئاسة الحكومة.
الحوار بديلاً عن الإملاءات والتهديدات
وفي تدوينة نشرها على منصة «إكس»، شدد المالكي على أن الحوار السياسي هو السبيل الوحيد لتنظيم العلاقات بين الدول، رافضاً ما وصفه بلغة الضغوط والإملاءات التي تهدف إلى مصادرة القرار الوطني المستقل. وأكد أن العراق لن يقبل بسياسات التهديد أو فرض الخيارات من الخارج مهما كانت الذرائع، مجدداً التأكيد على أن السيادة العراقية تمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه أو المساومة عليه.
تمسك بالمسار السياسي ورد على ترمب
وأكد المالكي مضيه في المسار السياسي الحالي احتراماً للإرادة الوطنية وقرار الإطار التنسيقي، قائلاً إنه سيواصل العمل حتى الوصول إلى نهاية هذا الطريق بما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي. ويأتي هذا الموقف بعد ساعات من تصريحات للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، حذّر فيها من عودة المالكي إلى رئاسة الوزراء، ولوّح بوقف الدعم الأمريكي للعراق، معتبراً أن إعادة تنصيبه تمثل «خياراً سيئاً للغاية» وقد تعيد البلاد – بحسب وصفه – إلى الفوضى والتراجع الاقتصادي.
السياق التاريخي للعلاقات العراقية الأمريكية وتحديات السيادة
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخي معقد للعلاقات بين العراق والولايات المتحدة، التي شهدت تقلبات كبيرة منذ الغزو الأمريكي عام 2003. لطالما سعت الحكومات العراقية المتعاقبة، بما في ذلك تلك التي ترأسها المالكي نفسه بين عامي 2006 و2014، إلى ترسيخ سيادة البلاد واستقلال قرارها الوطني في مواجهة النفوذ الأجنبي المتعدد. إن مسألة التدخل الخارجي، سواء كان أمريكياً أو غيره، ظلت نقطة حساسة ومحورية في المشهد السياسي العراقي، حيث يرى العديد من القوى السياسية أن أي محاولة لفرض الإرادة من الخارج تقوض جهود بناء دولة قوية ومستقرة. إن الإطار التنسيقي، الذي يمثل كتلة سياسية شيعية رئيسية، يلعب دوراً حاسماً في تشكيل الحكومة العراقية، وتصريحات ترمب تستهدف بشكل مباشر هذا الدور وحق الإطار في اختيار مرشحه.
أهمية الموقف العراقي وتأثيره المحتمل
إن موقف المالكي الرافض للتدخل الأمريكي يحمل أهمية كبيرة على عدة مستويات. محلياً، يعزز هذا الموقف الشعور بالكرامة الوطنية ويؤكد على حق العراق في تقرير مصيره بعيداً عن الإملاءات الخارجية، وهو ما قد يلقى قبولاً واسعاً لدى الشارع العراقي الذي طالما عانى من تداعيات التدخلات الأجنبية. كما أنه يرسخ مبدأ أن العملية السياسية العراقية يجب أن تكون نابعة من إرادة مكوناتها الداخلية. إقليمياً، يمكن أن يؤثر هذا الموقف على ديناميكيات القوى في المنطقة، حيث تسعى دول الجوار إلى فهم مدى استقلالية القرار العراقي. فالعراق، بموقعه الجيوسياسي وثرواته النفطية، يمثل لاعباً محورياً، وأي استقرار أو عدم استقرار فيه ينعكس على المنطقة بأسرها. دولياً، يبعث هذا الرد برسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن العراق يسعى لتعزيز سيادته الكاملة، وأن أي علاقات مستقبلية يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. إن استقرار العراق يعتمد بشكل كبير على قدرته على تشكيل حكومة قوية ومستقلة قادرة على معالجة التحديات الاقتصادية والأمنية، وأي تدخل خارجي قد يعرقل هذه الجهود ويدفع البلاد نحو مزيد من عدم اليقين السياسي.


