spot_img

ذات صلة

تقدم في محادثات إيران وأمريكا بوساطة عمانية

أعلن وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، يوم الثلاثاء عن إحراز “تقدم جيد” في المحادثات غير المباشرة الجارية بين طهران وواشنطن. جاء هذا التصريح عقب اختتام الجولة الثانية من المفاوضات التي استضافتها سلطنة عمان، والتي تهدف إلى تخفيف التوترات وإيجاد أرضية مشتركة بين البلدين. وتؤكد هذه المحادثات الدور المحوري الذي تلعبه مسقط كوسيط موثوق به في المنطقة، سعيًا منها لتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.

وفي منشور له على حسابه الرسمي في منصة “إكس”، أوضح البوسعيدي أن “المباحثات اختتمت بتقدم جيد نحو تحديد الأهداف المشتركة والقضايا الفنية ذات الصلة”. وأضاف أن الاجتماعات كانت “بناءة”، وشهدت “بذل جهود جادة لوضع عدد من المبادئ التوجيهية لاتفاق نهائي”. ورغم هذا التقدم، شدد الوزير العماني على أن “الكثير من العمل لا يزال أمامنا”، وأن الطرفين غادرا المحادثات “بخطوات مقابلة وواضحة قبل الاجتماع التالي” الذي لم يحدد موعده بعد.

من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، الذي ترأس وفد بلاده في هذه المحادثات، وجود “تطورات إيجابية” في هذه الجولة مقارنة بالجولة السابقة. وأوضح أمير عبد اللهيان أن الوفد الإيراني “توصل إلى تفاهم بشأن المبادئ الرئيسية مع أمريكا”، مشيرًا إلى أن “لدينا مسارًا واضحًا للتحرك في المحادثات مع واشنطن”. ومع ذلك، نبه إلى أن هذا لا يعني التوصل إلى اتفاق وشيك، بل “الطريق قد بدأ”، مؤكدًا أن الجانبين سيعملان على “نسختين من وثيقة الاتفاق المحتملة ويتبادلانها”.

تأتي هذه المحادثات في سياق تاريخي معقد من التوتر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، والذي تفاقم بشكل كبير بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2018، في عهد الرئيس دونالد ترامب. كان الاتفاق، الذي أبرم عام 2015، يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية. وقد أدى الانسحاب الأمريكي وإعادة فرض العقوبات إلى تصعيد التوترات في المنطقة، مما دفع إيران إلى التراجع عن بعض التزاماتها النووية. ومنذ ذلك الحين، تسعى الأطراف الدولية، ومن بينها عمان، إلى إيجاد سبيل لإعادة إحياء الاتفاق أو التوصل إلى تفاهم جديد يضمن عدم انتشار الأسلحة النووية ويخفف من حدة الصراع.

لطالما لعبت سلطنة عمان دورًا حيويًا كوسيط محايد وموثوق به في العديد من النزاعات الإقليمية والدولية، وخاصة بين إيران والدول الغربية. تاريخيًا، استضافت مسقط محادثات سرية مهدت الطريق للاتفاق النووي الأصلي عام 2015. إن قدرة عمان على الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران، تمنحها مكانة فريدة كجسر دبلوماسي، مما يجعلها الخيار الأمثل لاستضافة مثل هذه المفاوضات الحساسة التي تتطلب أقصى درجات السرية والحياد.

إن إحراز تقدم في هذه المحادثات يحمل أهمية قصوى للمنطقة والعالم. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي أي تفاهم بين طهران وواشنطن إلى تخفيف حدة التوترات في الخليج العربي، مما ينعكس إيجابًا على استقرار دول المنطقة. فالتصعيد المستمر يؤثر على الملاحة البحرية، وأسعار النفط العالمية، ويزيد من مخاطر الصراعات بالوكالة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق. وبالتالي، فإن أي خطوة نحو التهدئة يمكن أن تفتح الباب أمام حلول دبلوماسية للعديد من الأزمات الإقليمية.

على الصعيد الدولي، يمثل التقدم في هذه المحادثات خطوة مهمة نحو تعزيز نظام عدم انتشار الأسلحة النووية. كما أن التوصل إلى اتفاق يمكن أن يؤدي إلى رفع بعض العقوبات المفروضة على إيران، مما قد ينعش اقتصادها ويفتح آفاقًا جديدة للتجارة والاستثمار. هذا بدوره يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على أسواق الطاقة العالمية، حيث تعد إيران لاعبًا رئيسيًا في إنتاج النفط والغاز. كما أن نجاح هذه المفاوضات سيعزز الدبلوماسية كأداة لحل النزاعات المعقدة، ويقدم نموذجًا للتعامل مع التحديات الجيوسياسية الكبرى.

spot_imgspot_img