شهدت العلاقات الباكستانية الأفغانية تحولاً دراماتيكياً خلال الساعات الماضية، حيث أعلن الجيش الباكستاني عن تنفيذ سلسلة من الغارات الجوية المكثفة داخل الأراضي الأفغانية، أسفرت عن مقتل 274 من عناصر ومسؤولي حركة طالبان، في حين تكبد الجانب الباكستاني خسائر بشرية تمثلت في مقتل 12 جندياً جراء ردود الفعل العسكرية من الجانب الآخر.
تفاصيل العملية العسكرية «الدقيقة»
وفقاً للمتحدث باسم الجيش الباكستاني، استهدفت الغارات التي بدأت منذ مساء الخميس أهدافاً عسكرية محددة في 22 موقعاً مختلفاً داخل أفغانستان. ووصفت إسلام أباد هذه العمليات بأنها "دقيقة" وتأتي في إطار حق الدفاع عن النفس، رداً على ما وصفته بهجمات إرهابية متكررة تنطلق من الأراضي الأفغانية، بالإضافة إلى استفزازات عسكرية قامت بها قوات طالبان. وأكدت البيانات الرسمية أن الضربات ركزت على "مجموعات إرهابية وقواعد دعم لوجستي"، مشيرة إلى جماعات تصفها باكستان بـ "فتنة الخوارج".
جذور الأزمة والتوتر التاريخي
لا يمكن فصل هذا التصعيد الحالي عن السياق التاريخي المعقد للعلاقات بين الجارتين. فمنذ سيطرة حركة طالبان على الحكم في كابول عام 2021، تصاعدت حدة التوترات بشأن ملف "حركة طالبان باكستان" (TTP)، التي تتهمها إسلام أباد باتخاذ الأراضي الأفغانية ملاذاً آمناً لشن هجمات دموية داخل العمق الباكستاني. ورغم النفي المستمر من حكومة طالبان لهذه الاتهامات وتأكيدها على أن أمن باكستان شأن داخلي، إلا أن قضية الحدود المشتركة (خط ديورند) تظل نقطة اشتعال دائمة، حيث ترفض كابول تاريخياً الاعتراف بهذا الخط كحدود دولية نهائية، مما يسهل حركة المسلحين ويزيد من تعقيد المشهد الأمني.
أبعاد إقليمية ومخاوف من توسع الصراع
يثير هذا التصعيد مخاوف جدية على المستوى الإقليمي والدولي من انزلاق المنطقة نحو فوضى أمنية شاملة قد تؤثر على استقرار جنوب ووسط آسيا. وفي هذا السياق، جاء تصريح السفير الباكستاني لدى روسيا، فيصل نياز ترمذي، ليعكس رغبة بلاده في عدم توسيع رقعة الصراع، مرحباً بأي جهود وساطة روسية محتملة. وتدرك القوى الإقليمية أن أي صراع مفتوح بين باكستان وأفغانستان قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة وتعطيل لمشاريع التجارة والطاقة الإقليمية، مما يجعل احتواء الأزمة أولوية قصوى.
بين التصعيد العسكري والحل الدبلوماسي
على الرغم من لغة البنادق والقصف المتبادل، لا تزال أبواب الدبلوماسية مواربة. فقد أعلن ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم حركة طالبان، عن رغبة الحركة في حل النزاع عبر الحوار، وهو ما يتناغم مع تأكيدات إسلام أباد بأنها لا ترغب في التصعيد وتفضل السلام والاستقرار الإقليمي. وتطالب باكستان السلطات الأفغانية باتخاذ "إجراءات ملموسة" ضد الجماعات المسلحة، ملوحة برد "محسوب وحاسم" في حال استمرار التهديدات، مما يضع المنطقة أمام مفترق طرق بين تغليب لغة العقل أو الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.


