spot_img

ذات صلة

نشر الدستور المؤقت لفلسطين: خطوة نحو بناء الدولة

في خطوة تشكل علامة فارقة في مسيرة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قراراً بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين. ويهدف هذا القرار إلى إتاحة الوثيقة للاطلاع العام، وفتح الباب أمام حوار مجتمعي واسع لإثرائها قبل اعتمادها بشكل نهائي، مما يعكس التزاماً بتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صياغة أهم وثيقة قانونية للدولة.

وبحسب ما أفادت به وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، فإن القرار يدعو المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني، والقوى السياسية، والخبراء والأكاديميين إلى تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم على المسودة خلال فترة تمتد إلى 60 يوماً من تاريخ النشر عبر المنصة الإلكترونية المخصصة. وستتولى لجنة فنية متخصصة منبثقة عن اللجنة الوطنية لصياغة الدستور، استلام هذه الملاحظات وتصنيفها ودراستها، تمهيداً لإعداد تقرير مفصل يرفع للرئيس عباس لاعتماده في صياغة النسخة النهائية.

السياق التاريخي لجهود صياغة الدستور

تأتي هذه الخطوة في سياق جهود فلسطينية طويلة الأمد لوضع إطار دستوري للدولة المنشودة. فمنذ إعلان الاستقلال في الجزائر عام 1988، مروراً بتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 بموجب اتفاقيات أوسلو، عمل الفلسطينيون على بناء هياكل الدولة. وقد شكّل “القانون الأساسي الفلسطيني”، الذي أُقر في عام 2002 وتعديلاته اللاحقة، بمثابة دستور مؤقت ينظم عمل السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية). ومع حصول فلسطين على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012، اكتسبت مساعي إعداد دستور دائم زخماً جديداً، باعتباره ركيزة أساسية لترسيخ سيادة الدولة ومؤسساتها.

الأهمية المحلية والدولية للخطوة

على الصعيد المحلي، يكتسب نشر مسودة الدستور أهمية بالغة، فهو يمثل محاولة جادة لوضع عقد اجتماعي يحدد شكل نظام الحكم وطبيعة الدولة، ويضمن مبدأ الفصل بين السلطات، ويكفل الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين. كما أن دعوة مختلف شرائح المجتمع للمشاركة في صياغته تهدف إلى تحقيق أوسع توافق وطني ممكن حول الوثيقة، وهو أمر ضروري في ظل حالة الانقسام السياسي. ويُنظر إلى الدستور باعتباره أداة لتعزيز سيادة القانون وتوحيد الإطار التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة مستقبلاً.

دولياً، يحمل هذا الإجراء رسالة سياسية قوية للمجتمع الدولي، مفادها أن القيادة الفلسطينية ماضية في استكمال متطلبات الدولة ذات السيادة والقادرة على الحياة. إن وجود دستور حديث وديمقراطي يعزز من مكانة فلسطين الدبلوماسية ويدعم مطالبها بالاعتراف الكامل بها كدولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة. كما أنه يظهر التزاماً فلسطينياً بمعايير الحكم الرشيد والديمقراطية، مما قد يسهم في حشد المزيد من الدعم السياسي والاقتصادي الدولي للقضية الفلسطينية ولمؤسسات الدولة الناشئة.

spot_imgspot_img