spot_img

ذات صلة

مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني: تعزيز الاستقرار والسيادة

أعلنت الرئاسة اللبنانية، اليوم (الأربعاء)، عن تأكيد عقد مؤتمر دولي رفيع المستوى لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وذلك في العاصمة الفرنسية باريس بتاريخ 5 مارس القادم. سيُعقد المؤتمر تحت رعاية فخامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي سيفتتح أعماله شخصياً، مما يؤكد الأهمية الكبيرة التي توليها فرنسا والمجتمع الدولي لاستقرار لبنان وأمنه.

جاء هذا الإعلان الهام عقب اجتماع استراتيجي ترأسه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في قصر بعبدا. حضر الاجتماع كوكبة من كبار المسؤولين الدبلوماسيين، بمن فيهم مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان، والموفد الفرنسي الوزير السابق جان إيف لودريان، والسفير الأمريكي في لبنان ميشال عيسى، بالإضافة إلى سفراء المملكة العربية السعودية ومصر وقطر. يعكس هذا الحضور الدولي الرفيع التوافق العالمي على ضرورة دعم المؤسسات الأمنية اللبنانية في هذه المرحلة الحرجة.

يهدف المؤتمر بشكل أساسي إلى حشد تمويل دولي كبير لتلبية الاحتياجات الملحة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. يشمل ذلك توفير تجهيزات عسكرية حديثة ومتطورة، وتنظيم برامج تدريب متقدمة لرفع كفاءة الأفراد، وتأمين دعم لوجستي مستدام يضمن استمرارية العمليات. الهدف الأسمى هو تعزيز قدرة المؤسسة العسكرية على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية دون استثناء، ودعم الجهود الوطنية الرامية إلى استكمال المراحل القادمة من خطة حصر السلاح بيد الدولة وتثبيت الاستقرار الأمني الشامل.

يأتي هذا المؤتمر في سياق جهود دولية مكثفة ومتواصلة لتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية اللبنانية، خاصة بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر 2024. تضمن هذا الاتفاق التزاماً واضحاً بتنفيذ خطة تدريجية لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، بدءاً من المنطقة الحيوية جنوب نهر الليطاني. لطالما كانت هذه المنطقة محط توترات أمنية، مما يجعل تعزيز سيادة الدولة فيها أمراً بالغ الأهمية للاستقرار الإقليمي.

تاريخياً، واجه لبنان تحديات جمة في بسط سيادته الكاملة، لا سيما في المناطق الحدودية. لطالما كان الجيش اللبناني، رغم محدودية موارده، رمزاً للوحدة الوطنية وحصناً ضد التفكك. إن دعم الجيش ليس مجرد مساعدة عسكرية، بل هو استثمار في استقرار دولة تواجه أزمات اقتصادية وسياسية متتالية. منذ تأسيسه، لعب الجيش دوراً محورياً في الحفاظ على السلم الأهلي ومواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، بما في ذلك مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود.

خلال الأشهر الماضية، أنجز الجيش اللبناني المرحلة الأولى من هذه الخطة بنجاح نسبي وملحوظ، على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهته. شملت هذه التحديات استمرار بعض الخروقات الأمنية والضغوط الإسرائيلية المتواصلة على الحدود الجنوبية، بالإضافة إلى الحاجة الملحة لتطوير قدرات الجيش لوجستياً وتسليحياً وتدريبياً لمواكبة التحديات الحديثة. كما تزامن هذا التقدم مع بدء عملية انسحاب تدريجي لقوات اليونيفيل (قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان) من جنوب لبنان خلال عام 2026، مما يضع مسؤولية أكبر على عاتق الجيش اللبناني في حفظ الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحساسة.

إن أهمية هذا المؤتمر تتجاوز الدعم المادي المباشر. فهو يبعث برسالة قوية على الصعيدين المحلي والإقليمي والدولي. محلياً، يعزز ثقة الشعب اللبناني بمؤسسات دولته ويشجع على الوحدة الوطنية. إقليمياً، يساهم في تخفيف التوترات ويؤكد التزام المجتمع الدولي بمنع تفاقم الصراعات في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. دولياً، يعكس المؤتمر إدراكاً بأن استقرار لبنان جزء لا يتجزأ من الأمن العالمي، وأن دعم جيشه هو خطوة استباقية لمنع انهيار الدولة وتداعياته المحتملة على الهجرة والأمن الإقليمي والدولي.

وكانت كل من فرنسا والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية قد اتفقت في ديسمبر 2025 على تشكيل فريق عمل ثلاثي للتحضير لهذا المؤتمر الهام. جاء هذا الاتفاق بعد سلسلة لقاءات مكثفة عُقدت في باريس، أثنى خلالها المجتمعون على الأداء المتميز للجيش اللبناني والتضحيات الجسيمة التي قدمها في سبيل استعادة السيادة الوطنية وحماية أمن المواطنين. هذا التعاون الثلاثي يؤكد على الإجماع الدولي حول ضرورة دعم الجيش اللبناني كركيزة أساسية لاستقرار لبنان وسيادته.

spot_imgspot_img