في خطاب محوري خلال مؤتمر ميونخ للأمن، وجه نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، مايك بنس، رسالة مزدوجة إلى الحلفاء الأوروبيين، محذراً من تحديات عالمية متزايدة وداعياً في الوقت ذاته إلى “إحياء الصداقة القديمة” عبر الأطلسي. وقال بنس في كلمته التي أثارت اهتماماً واسعاً: “نشهد احتمال نزاع جديد أكثر من أي وقت مضى في التاريخ”، مؤكداً على أن الولايات المتحدة وأوروبا تقفان معاً في مواجهة هذه المخاطر.
سياق متوتر وخلفية تاريخية
جاء خطاب بنس في وقت كانت فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين تشهد توتراً ملحوظاً. فمنذ تولي إدارة الرئيس دونالد ترامب السلطة، تبنت واشنطن سياسة “أمريكا أولاً” التي أدت إلى خلافات عميقة حول قضايا جوهرية. شملت هذه الخلافات الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني واتفاقية باريس للمناخ، وفرض رسوم جمركية على الصلب والألومنيوم الأوروبي، بالإضافة إلى المطالب الأمريكية المتكررة بزيادة الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو لإنفاقها الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا السياق جعل كلمة بنس في ميونخ محط ترقب شديد، حيث كان القادة الأوروبيون يأملون في الحصول على توضيحات حول رؤية واشنطن لمستقبل التحالف.
رسائل طمأنة مشروطة
على الرغم من التوترات، سعى بنس إلى تقديم نبرة تصالحية، مؤكداً على الروابط التاريخية والثقافية العميقة التي تجمع بين ضفتي الأطلسي. وقال: “نحن أبناء أوروبا… لقد بنيت المستوطنات الأمريكية قديماً من قبل بريطانيا، واستُكشفت قارتنا من قبل إسبانيا”، مضيفاً: “سنبقى دائماً أبناء أوروبا وإن ابتعدنا بالجغرافيا”. وأكد أن مصير الولايات المتحدة وأوروبا مشترك، وأن واشنطن تريد “أوروبا قوية” ولا تسعى لإنهاء التحالف عبر الأطلسي. لكن هذه الطمأنة كانت مشروطة، حيث شدد على أن واشنطن لا تريد “شركاء ضعفاء”، في إشارة واضحة إلى ضرورة تحمل أوروبا لمزيد من الأعباء الدفاعية والمالية.
إصلاح النظام العالمي ومواجهة التحديات
تطرق بنس إلى ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية القائمة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، معتبراً أنها لم تعد تقوم بدور فعال في حل النزاعات الكبرى. وقال إن المؤسسات العالمية المنبثقة عن “النظام الدولي القديم” يجب أن يُعاد “إصلاحها” و”بناؤها”، وهو ما يعكس رؤية إدارة ترامب التي كانت تشكك في جدوى التعددية وتفضل التعاملات الثنائية. كما دعا إلى تكاتف غربي لمواجهة التحديات الجديدة، بدءاً من أمن الحدود والهجرة وصولاً إلى التهديدات السيبرانية والتنافس التكنولوجي مع قوى عالمية أخرى، مشدداً على أهمية الدفاع عن “القيم الأمريكية الأوروبية المشتركة”.
الأهمية والتأثير الدولي
قوبل خطاب بنس بردود فعل متباينة. ففي حين رحب البعض بنبرته التصالحية، نظر إليه آخرون بكثير من الشك، معتبرين أنه لم يقدم تغييراً حقيقياً في سياسات الإدارة الأمريكية. وكان أبرز دليل على هذا الانقسام هو الخطاب الذي ألقته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بعده مباشرة، والذي اعتبره الكثيرون رداً مباشراً على بنس، حيث دافعت فيه بقوة عن التعددية والتعاون الدولي والمؤسسات القائمة. لقد جسّد هذا التباين في الخطابين الشرخ العميق في الرؤى بين واشنطن وعواصم أوروبية رئيسية حول كيفية مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، ورسم صورة واضحة لمستقبل التحالف الغربي الذي بات على المحك.


