ألقت شرطة لندن القبض على السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة، بيتر ماندلسون، في تطور مفاجئ هز الأوساط السياسية في بريطانيا. ويواجه ماندلسون، البالغ من العمر 72 عامًا، اتهامات بـ”إساءة استخدام السلطة” و”سوء السلوك في منصب عام”، على خلفية الاشتباه في نقله معلومات حكومية سرية إلى رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، الذي أدين بجرائم جنسية خطيرة.
وأكدت شرطة العاصمة في بيان رسمي أنها اعتقلت رجلاً في السبعينيات من عمره للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، دون أن تذكر ماندلسون بالاسم، وهو إجراء روتيني في المراحل الأولى من التحقيقات. ويأتي هذا الاعتقال ليتوج أزمة سياسية متصاعدة وضعت حكومة حزب العمال الجديدة، بقيادة كير ستارمر، في موقف حرج للغاية بعد فترة وجيزة من فوزها الانتخابي الساحق.
خلفية القضية وسياقها التاريخي
تعود جذور هذه القضية إلى قرار رئيس الوزراء كير ستارمر تعيين بيتر ماندلسون، أحد أبرز مهندسي حقبة “حزب العمال الجديد” تحت قيادة توني بلير، سفيراً لبريطانيا في واشنطن. هذا التعيين أثار جدلاً منذ اللحظة الأولى بسبب الصداقة الوثيقة والمعروفة التي كانت تربط ماندلسون بجيفري إبستين. وقد بدأت التحقيقات الجنائية بشكل رسمي في وقت سابق من هذا الشهر بعد أن أحالت حكومة ستارمر بنفسها مراسلات بين ماندلسون وإبستين إلى السلطات المختصة، في محاولة لاحتواء الأضرار السياسية.
ويُعد جيفري إبستين شخصية سيئة السمعة عالمياً، حيث كان ممولاً أمريكياً بنى شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات نافذة في مجالات السياسة والأعمال والأوساط الأكاديمية، قبل أن تنكشف شبكته للاستغلال الجنسي للقاصرات. وقد توفي في زنزانته في نيويورك عام 2019 في ظروف وصفتها السلطات بأنها انتحار، لكنها لا تزال تثير الشكوك.
التداعيات السياسية والأثر المتوقع
على الصعيد المحلي، تسببت الفضيحة بالفعل في استقالة مورجان ماكسويني، رئيس مكتب رئيس الوزراء وأحد المخططين الرئيسيين لنجاح حزب العمال الانتخابي. وقد أعلن ماكسويني تحمله “المسؤولية الكاملة” عن نصيحته لستارمر بتعيين ماندلسون، معتبراً أن القرار “قوّض الثقة في حزب العمال والسياسة عموماً”.
وقد اضطر رئيس الوزراء كير ستارمر إلى تقديم اعتذار علني عن هذا التعيين، في محاولة لطي صفحة الأزمة التي تهدد مصداقية إدارته في مهدها. إلا أن الضغوط السياسية لا تزال مستمرة، حيث تقوم لجنة الاستخبارات والأمن في البرلمان البريطاني بمراجعة وثائق حساسة متعلقة بالقضية، مما يفتح الباب أمام كشف المزيد من التفاصيل المقلقة حول طبيعة العلاقة بين الدبلوماسي البارز والمجرم المدان.
أما على الصعيد الدولي، فإن القضية تثير تساؤلات حول عملية فحص وتدقيق التعيينات الدبلوماسية الحساسة في بريطانيا، وقد تلقي بظلالها على العلاقات البريطانية-الأمريكية، نظراً لأن الاتهامات تتعلق بمنصب السفير في واشنطن واحتمالية تسريب معلومات حساسة. كما أنها تعيد تسليط الضوء على الامتداد الدولي لشبكة إبستين وتأثيرها الذي طال شخصيات بارزة حول العالم.


