spot_img

ذات صلة

بيتر ماندلسون: تسريبات إبستين تثير تحقيقاً حول خيانة الثقة

بيتر ماندلسون في مرمى التحقيق: تسريبات مالية حساسة خلال الأزمة العالمية وخيانة الثقة العامة

يواجه السياسي البريطاني المخضرم بيتر ماندلسون تحقيقاً محتملاً من قبل شرطة العاصمة لندن، بعد اتهامه بتسريب معلومات حكومية شديدة الحساسية إلى الممول الأمريكي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين، وذلك أثناء توليه مناصب وزارية رفيعة في حكومة حزب العمال. هذه الاتهامات، التي برزت مجدداً مع الكشف عن وثائق إبستين، تلقي بظلالها على مسيرة أحد أبرز الشخصيات السياسية البريطانية وتثير تساؤلات جدية حول أخلاقيات العمل العام.

سياق الأزمة المالية العالمية وتداعياتها

تأتي هذه المزاعم في سياق بالغ الحساسية، حيث تعود الرسائل الإلكترونية المزعومة إلى عام 2009، في ذروة الأزمة المالية العالمية التي هزت الاقتصاد العالمي. كانت المملكة المتحدة وأوروبا تواجهان تحديات اقتصادية غير مسبوقة، مما استدعى اتخاذ قرارات حكومية مصيرية لإنقاذ البنوك والاقتصادات. في تلك الفترة، كان ماندلسون يشغل مناصب وزارية مؤثرة، مما يجعله مطلعاً على معلومات اقتصادية بالغة الأهمية وحساسة للسوق. إن تسريب مثل هذه المعلومات في وقت كانت فيه الأسواق المالية العالمية على حافة الانهيار، يمكن أن يكون له تداعيات خطيرة على الاستقرار الاقتصادي والثقة العامة.

وبحسب صحيفة ديلي ميل، أكدت شرطة سكوتلاند يارد أنها تراجع حالياً معطيات تتعلق بكشف رسائل إلكترونية تعود إلى تلك الفترة الحرجة، يُزعم أن ماندلسون نقل خلالها نصائح ومعلومات «مؤثرة على الأسواق» كانت قد قُدمت إلى رئيس الوزراء آنذاك غوردون براون.

موجة غضب واسعة وخيانة الثقة

أثارت إحدى هذه الرسائل موجة غضب واسعة في الأوساط السياسية البريطانية، وُصفت بأنها «خيانة للثقة العامة». هذه الاتهامات ليست مجرد مخالفة إدارية، بل تمس جوهر النزاهة في العمل الحكومي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمعلومات يمكن أن تؤثر على الأسواق المالية وتتيح فرصاً لتحقيق مكاسب غير مشروعة. دفع هذا الوضع حزبي إصلاح المملكة المتحدة والحزب القومي الاسكتلندي (SNP) إلى تقديم بلاغات رسمية تطالب بفتح تحقيق جنائي شامل. وفي ظل تصاعد الضغوط، أعلن ماندلسون استقالته من حزب العمال، مبرراً خطوته بالرغبة في تجنب «مزيد من الإحراج» للحزب.

وثائق إبستين تكشف تفاصيل صادمة

تضمنت الوثائق، التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية ضمن ملايين الملفات المتعلقة بقضية جيفري إبستين، رسالة تُظهر أن ماندلسون أبلغ إبستين مسبقاً بخطة إنقاذ أوروبية بقيمة 500 مليار يورو لمنطقة اليورو، قبل الإعلان الرسمي عنها بيوم واحد. هذه المعلومة، لو استُغلت، كانت ستتيح لإبستين أو لمن يعمل معهم الاستفادة مالياً ضخمة من تحركات السوق المتوقعة. كما كشفت رسالة أخرى أنه أطلع إبستين على موعد استقالة غوردون براون من رئاسة الحكومة قبل حدوثها، وهي معلومة سياسية حساسة للغاية.

وفي مقابلة صحفية، أقرّ ماندلسون بأنه كان «ساذجاً أكثر من اللازم» في تعامله مع إبستين، واصفاً إياه بأنه «كالأوساخ التي لا يمكن التخلص منها». لكنه شدد في الوقت ذاته على أنه لا ينوي الانسحاب من الحياة العامة، معتبراً أن «الاختفاء عن الأنظار رد فعل مبالغ فيه على رسائل تاريخية خاطئة أندم على إرسالها».

تسريب معلومات الخزانة وجولات داونينغ ستريت

لم تقتصر التسريبات على خطط الإنقاذ الأوروبية، فقد أظهرت رسائل أخرى أن ماندلسون قام بتحويل مراسلات داخلية من وزارة الخزانة إلى إبستين، تتعلق بخطط بيع أصول حكومية بقيمة تصل إلى 20 مليار جنيه إسترليني لتفادي زيادات ضريبية. هذه المعلومات وُصفت بأنها ذات قيمة عالية للمؤسسات المالية التي تبحث عن فرص استثمارية. وقد علّق إبستين في أحد الردود سائلاً عن «الأصول القابلة للبيع»، ليرد ماندلسون: «أراضٍ وعقارات على ما أعتقد»، قبل أن تعلن الحكومة لاحقاً بيع أصول بقيمة 16 مليار جنيه.

الأكثر إثارة للصدمة هو ما كشفته المراسلات من أن إبستين استخدم علاقته بماندلسون لترتيب جولات خاصة داخل مقر رئاسة الوزراء (داونينغ ستريت)، من بينها زيارة لابنة إبستين الروحية البالغة من العمر 15 عاماً. هذا الجانب من القضية يثير تساؤلات أعمق حول مدى استغلال إبستين لعلاقاته مع شخصيات نافذة، ليس فقط لتحقيق مكاسب مالية، بل أيضاً لتسهيل أنشطته المشبوهة.

تحويلات مالية مشبوهة ودعوات للتحقيق

في سياق متصل، أظهرت كشوفات مصرفية تحويلات مالية من إبستين إلى حسابات مرتبطة بماندلسون بقيمة 75 ألف دولار بين عامي 2003 و2004، إضافة إلى تحويل بقيمة 10 آلاف دولار في عام 2009. غير أن ماندلسون نفى تذكره تلقي هذه الأموال، واعتبر بعض الوثائق «مزورة»، مما يزيد من تعقيد القضية ويضع مصداقية الوثائق تحت المجهر.

من جانبه، أكد زعيم الحزب القومي الاسكتلندي في وستمنستر ستيفن فلين أن بقاء ماندلسون في مناصبه السابقة «يستوجب تحقيقاً جنائياً»، فيما أعلنت شرطة لندن أنها تلقت بلاغات رسمية بشأن «سوء تصرف محتمل في المنصب العام»، وأنها تقيّم حالياً ما إذا كانت الأدلة ترقى إلى المستوى الجنائي. أما رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون، فقد أعلن أنه طلب فتح تحقيق رسمي حول تسريب معلومات سرية من وزارة الأعمال خلال الأزمة المالية العالمية، مشيراً إلى أنه كان قد طالب بذلك سابقاً دون أن يتم العثور على سجلات ذات صلة.

تأثير القضية على الثقة العامة والمساءلة السياسية

تتواصل الدعوات السياسية والشعبية لاستقالة ماندلسون من مجلس اللوردات، وهو ما يعكس حجم الغضب العام والرغبة في المساءلة. هذه القضية تتجاوز مجرد تسريب معلومات، لتلامس قضايا أعمق تتعلق بالنزاهة السياسية، استغلال النفوذ، وتأثير العلاقات المشبوهة على سير العمل الحكومي. في ظل التحديات التي تواجهها الديمقراطيات الحديثة، يصبح الحفاظ على ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة أمراً بالغ الأهمية. إن نتائج هذا التحقيق المحتمل ستكون حاسمة في تحديد مستقبل ماندلسون السياسي، وستبعث برسالة واضحة حول معايير السلوك المقبول للمسؤولين العموميين في المملكة المتحدة وخارجها. في وقت يؤكد فيه ماندلسون أن الوثائق المنشورة «لا تثبت أي مخالفة قانونية» من جانبه، رغم رفضه الإدلاء بشهادته أمام تحقيق للكونغرس الأمريكي، يبقى الرأي العام والجهات القضائية بانتظار كشف الحقائق كاملة.

spot_imgspot_img