spot_img

ذات صلة

ملامح استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة لتعزيز الاقتصاد

كشف محافظ صندوق الاستثمارات العامة، الأستاذ ياسر الرميان، عن تفاصيل هامة تتعلق بمستقبل الاقتصاد السعودي والعالمي، موضحاً أن تداعيات التوترات الجيوسياسية والحروب الراهنة لا تقتصر تأثيراتها على الاقتصاد المحلي فحسب، بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره. وفي هذا السياق، تبرز استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة كركيزة أساسية لمواجهة هذه التحديات، خاصة في ظل الارتفاعات الواسعة التي طالت أسعار النفط، وتكاليف الشحن، والتأمين، والإمدادات الغذائية.

أهداف استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للمرحلة المقبلة

خلال مقابلة حديثة مع قناة العربية Business، سلط الرميان الضوء على المرحلة الجديدة من استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2030. وأكد أن هذه المرحلة تمثل استكمالاً لمسيرة الصندوق الناجحة، حيث تركز بشكل أساسي على تحويل 13 قطاعاً استراتيجياً إلى 6 منظومات اقتصادية متكاملة. هذا التحول الهيكلي يهدف إلى تعزيز تنويع الاقتصاد السعودي، ورفع نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، مما يعمق الأثر التنموي والاستثماري للصندوق على المدى الطويل.

الجذور التاريخية والتحول نحو رؤية 2030

لفهم الدور المحوري الذي يلعبه الصندوق اليوم، يجب النظر إلى جذوره التاريخية. تأسس صندوق الاستثمارات العامة في عام 1971 ليكون الرافد الأساسي لدعم المشاريع ذات الأهمية الاستراتيجية للاقتصاد السعودي. وعلى مر العقود، ساهم الصندوق في تأسيس كبرى الشركات الوطنية التي شكلت العمود الفقري للاقتصاد. ومع إطلاق رؤية السعودية 2030، شهد الصندوق إعادة هيكلة شاملة ليتحول من مجرد مستثمر مالي محلي إلى أحد أكبر الصناديق السيادية وأكثرها تأثيراً على مستوى العالم. هذا التطور التاريخي يعكس التزام المملكة الراسخ ببناء اقتصاد مستدام لا يعتمد حصرياً على العوائد النفطية، بل يرتكز على الابتكار والاستثمار في قطاعات المستقبل.

تأثير التوترات العالمية على سلاسل الإمداد والاستثمارات

وحول تأثير الحروب والأزمات العالمية على الاستثمارات والصفقات الخارجية، أشار الرميان إلى أن الصندوق يقوم بمراجعة مستمرة وديناميكية لجميع استثماراته وأولوياته. وأكد أن إعادة التقييم هي جزء أصيل من منهجية العمل الاستثماري. ولفت إلى أن هذه المراجعات لا تعني بالضرورة إلغاء استثمار بعينه أو استبداله فوراً، بل تعكس إدارة مرنة تتكيف مع المعطيات الاقتصادية والجيوسياسية. وأوضح أن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية انعكس بشكل مباشر على أسعار المدخلات الأساسية. ونوه بأن جزءاً كبيراً من الأسمدة الكيماوية يأتي من المملكة وبعض دول الخليج، كما أن تعطل إمدادات الغاز والهيليوم أثر على صناعات متقدمة، من بينها صناعة الرقائق الإلكترونية، سواء عبر التأخير في الإنتاج أو ارتفاع التكلفة.

الأهمية الاستراتيجية والتأثير المتوقع محلياً ودولياً

تكتسب الخطوات التي يتخذها الصندوق أهمية كبرى على مستويات متعددة. محلياً، تساهم هذه التحولات في خلق مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للشباب السعودي، وتدعم نمو القطاع الخاص من خلال إشراكه في المنظومات الاقتصادية الجديدة. إقليمياً، تعزز هذه الاستراتيجية مكانة المملكة كقوة اقتصادية رائدة تقود قاطرة النمو في الشرق الأوسط، وتوفر بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية. أما على الصعيد الدولي، فإن استثمارات الصندوق في قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية، تجعله لاعباً رئيسياً في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي، وتساهم في استقرار الأسواق العالمية في أوقات الأزمات.

رؤية تنموية تتجاوز العوائد المالية التقليدية

وشدد الرميان على أن استراتيجية الصندوق طويلة الأجل بطبيعتها، ولا تُبنى على اعتبارات مرحلية أو ظرفية. وأوضح أن الصندوق يعمل دائماً ضمن رؤية بعيدة المدى تأخذ في الحسبان التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، وليس فقط التقلبات المرتبطة بالأزمات. وأكد أن أولويات الصندوق تُحدد بالدرجة الأولى وفق احتياجات الاقتصاد الوطني، مبيناً أن الصندوق لا ينظر إلى نفسه كمستثمر مالي تقليدي، بل كمستثمر تنموي-اقتصادي. واختتم حديثه بالتأكيد على أن تحقيق العوائد المالية يُعد جزءاً من أهداف الصندوق، لكنه يعمل وفق معادلة متوازنة تجمع بين العائد المالي المرتفع والأثر التنموي المستدام، وهو النهج الذي رافق فكرة تأسيسه منذ البداية.

spot_imgspot_img