بولندا تعلن رفضها الانضمام إلى “مجلس السلام” الأمريكي لغزة
أعلن رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، أن بلاده لن تشارك في “مجلس السلام” الذي بادرت الولايات المتحدة إلى تأسيسه بهدف الإشراف على مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة وإدارة جهود إعادة الإعمار. ويضع هذا القرار وارسو في قائمة متنامية من العواصم الأوروبية التي أبدت تحفظات جدية أو رفضاً صريحاً للمشاركة في هذه المبادرة.
وفي تصريح له خلال جلسة حكومية، قال توسك: “في الظروف الحالية، لن تنضم بولندا إلى أعمال مجلس السلام. لدينا تحفظات وطنية جدية تتعلق بشكل المجلس وطبيعة عمله وصلاحياته”. وأضاف أن وارسو ستواصل دراسة المقترح بعناية، لكن القرار الحالي هو عدم المشاركة، مما يعكس عمق الشكوك الأوروبية تجاه الخطة الأمريكية.
سياق المبادرة الأمريكية وخلفياتها
طرحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فكرة “مجلس السلام” كآلية دولية متعددة الأطراف لإدارة الوضع في غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية. ووفقاً للتصور الأمريكي، يهدف المجلس إلى ضمان نزع السلاح في القطاع، والإشراف على عملية إعادة إعمار ضخمة، وتأسيس إدارة مدنية مؤقتة تمنع عودة حركة “حماس” إلى السلطة. إلا أن المبادرة أثارت جدلاً واسعاً منذ الإعلان عنها، خصوصاً فيما يتعلق بهيكلها الذي يمنح واشنطن نفوذاً كبيراً، بما في ذلك حق الاعتراض (الفيتو) للرئيس الأمريكي على قرارات المجلس، وهو ما اعتبره منتقدون تقويضاً لمبدأ التشاركية الدولية.
موجة من التحفظات الأوروبية وتداعياتها
لم يكن الموقف البولندي معزولاً، بل جاء في سياق رفض أوروبي أوسع. فقد سبقت دول وازنة مثل فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، والسويد، والنرويج في التعبير عن مخاوفها. وتتمحور هذه المخاوف حول عدة نقاط جوهرية، أبرزها أن إنشاء هيئة جديدة خارج إطار الأمم المتحدة قد يضعف دور المنظمة الدولية ومجلس الأمن، وهما الكيانان الشرعيان الأساسيان للتعامل مع قضايا السلم والأمن الدوليين. كما أثارت الصلاحيات الواسعة للمجلس، التي قد تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية، قلقاً بشأن انتهاك القانون الدولي ومبادئ السيادة.
الأهمية الجيوسياسية لموقف وارسو وتأثيره
يكتسب قرار بولندا أهمية خاصة نظراً لكونها حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة وعضواً مؤثراً في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي. ويعكس هذا الموقف تحولاً في أولويات السياسة الخارجية البولندية تحت قيادة دونالد توسك، حيث تسعى وارسو إلى تعزيز مكانتها داخل الاتحاد الأوروبي وتنسيق مواقفها بشكل أكبر مع الشركاء الأوروبيين. ويُنظر إلى القرار على أنه انحياز للمقاربة الأوروبية الداعمة للحلول متعددة الأطراف والقائمة على الشرعية الدولية، بدلاً من المبادرات التي تقودها قوة عظمى واحدة. إن هذا الرفض الجماعي من قبل حلفاء واشنطن الرئيسيين يضعف بشكل كبير من فرص نجاح “مججلس السلام” ويقلل من شرعيته الدولية، وقد يدفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها والبحث عن توافق أوسع لإدارة أحد أكثر الصراعات تعقيداً في العالم.


