أعلنت محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية عن خطوة بيئية رائدة بإعادة توطين الأرنب العربي، ليصبح هذا النوع الحيوي هو الرابع عشر الذي يُعاد إدخاله بنجاح ضمن برنامجها الطموح «إعادة الحياة الفطرية للجزيرة العربية» منذ انطلاقه في عام 2022. تُعد هذه المبادرة جزءًا لا يتجزأ من الجهود المستمرة لاستعادة التوازن البيئي في المنطقة، حيث يلعب الأرنب العربي دورًا محوريًا كعنصر أساسي في السلسلة الغذائية الصحراوية. فهو لا يسهم فقط في تنظيم الغطاء النباتي من خلال الرعي، بل يعمل أيضًا كناقل رئيسي للطاقة إلى المفترسات، مما يعزز ديناميكية النظام البيئي ويساهم في استعادة صحته وحيويته.
لطالما كانت شبه الجزيرة العربية موطنًا لتنوع بيولوجي فريد، لكن عقودًا من التغيرات البيئية، بما في ذلك التوسع العمراني، الرعي الجائر، والصيد غير المشروع، أدت إلى تدهور كبير في الموائل الطبيعية وتناقص أعداد العديد من الكائنات الفطرية. في هذا السياق، تأتي برامج إعادة التوطين كركيزة أساسية للحفاظ على التراث الطبيعي للمملكة واستعادة الأنواع المهددة بالانقراض إلى بيئاتها الأصلية. تعكس هذه الجهود التزام المملكة العربية السعودية بحماية البيئة وتعزيز الاستدامة، وهو ما يتماشى مع الأهداف العالمية للحفاظ على التنوع البيولوجي.
وفي تفاصيل هذه العملية، أوضحت المحمية أنه تم إدخال 20 أرنبًا عربيًا تم اختيارها بعناية فائقة لضمان تعزيز التنوع الوراثي داخل المجموعة الجديدة. وقد خضعت هذه الأرانب لمرحلة تأقلم أولية في حظائر تكاثر مخصصة داخل المحمية، وذلك قبل إطلاقها تدريجيًا في البرية. ومما يبشر بالخير، فقد شهد البرنامج ولادة أول صغير أرنب عربي، وهو مؤشر مبكر وقوي على نجاح جهود التوطين وقدرة هذه الأنواع على التكيف والتكاثر في بيئتها الجديدة.
يتميز الأرنب العربي بقدرات مذهلة على التكيف مع قسوة البيئة الصحراوية؛ فهو يتحمل درجات الحرارة الشديدة بفضل آلياته الفسيولوجية والسلوكية، ويمتلك تمويهًا طبيعيًا يساعده على الاندماج مع محيطه، بالإضافة إلى سرعته الفائقة التي قد تصل إلى 80 كيلومترًا في الساعة، مما يمكنه من الهروب من بعض المفترسات. ورغم هذه القدرات، تظل معدلات الافتراس عالية جدًا، حيث تصل إلى 90%، مما يبرز دوره الحيوي كفريسة رئيسية في السلسلة الغذائية، ويضمن نقل الطاقة عبر المستويات الغذائية المختلفة، وهو ما يدعم بقاء المفترسات مثل الثعالب والوشق والطيور الجارحة، وبالتالي يحافظ على توازن النظام البيئي.
تتجاوز أهمية هذا الإنجاز حدود المحمية لتشمل تأثيرات أوسع على المستويين الوطني والإقليمي. فعلى الصعيد الوطني، تساهم هذه المبادرات بشكل مباشر في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تولي اهتمامًا خاصًا لتعزيز الاستدامة البيئية وتحسين جودة الحياة. كما أنها جزء لا يتجزأ من مبادرة السعودية الخضراء الطموحة، التي تهدف إلى زراعة مليارات الأشجار وتقليل الانبعاثات الكربونية وحماية المناطق الطبيعية. إقليميًا، يمكن أن تكون تجربة محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية نموذجًا يحتذى به للدول الأخرى في المنطقة التي تواجه تحديات بيئية مماثلة، مما يعزز التعاون في مجال الحفاظ على التنوع البيولوجي الصحراوي. دوليًا، تسهم هذه الجهود في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة المتعلقة بالحياة على الأرض، وتبرز دور المملكة كلاعب رئيسي في الجهود العالمية لمكافحة فقدان التنوع البيولوجي.
منذ بدء برنامج «إعادة الحياة الفطرية للجزيرة العربية»، حققت المحمية إنجازات ملحوظة، حيث أعادت توطين 14 نوعًا مختلفًا من الكائنات الفطرية، وسجلت تكاثرًا ناجحًا لستة منها. هذه النجاحات المتتالية تؤكد فعالية الاستراتيجيات المتبعة وتدعم الهدف الأسمى للمحمية وهو إنشاء تجمعات برية مكتفية ذاتيًا وقادرة على الاستمرار والتطور بشكل طبيعي. إن استمرار هذه الجهود يضمن مستقبلًا أكثر استدامة للبيئة الطبيعية في المملكة، ويؤكد التزامها بالحفاظ على كنوزها البيولوجية للأجيال القادمة.


