
شهدت جلسة «الصحافة المتجددة في البيئة الرقمية»، ضمن فعاليات المنتدى السعودي للإعلام 2026، حضوراً لافتاً واهتماماً واسعاً، حيث قدم خلالها الأستاذ أسامة سرايا، رئيس تحرير الأهرام السابق وكاتب العمود اليومي «حكاية فكرة»، رؤية شاملة وعميقة لمستقبل مهنة الصحافة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم. أكد سرايا في مداخلته أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية بحتة، بل تحول إلى قضية إنسانية وأخلاقية معقدة تتطلب قدراً عالياً من التوازن والحكمة في التعامل معها، بعيداً عن التهويل المبالغ فيه أو الإنكار التام لوجوده وتأثيره.
لطالما كانت الصحافة الورقية، ممثلة بمؤسسات عريقة مثل «الأهرام»، ركيزة أساسية في تشكيل الوعي العام وتوثيق الأحداث التاريخية على مدى عقود طويلة. ومع بزوغ فجر الإنترنت في أواخر القرن الماضي، بدأت هذه الركيزة تواجه تحديات غير مسبوقة، حيث تحولت مساحات واسعة من القراءة والإعلان إلى الفضاء الرقمي. واليوم، مع التطور الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يجد القطاع الإعلامي نفسه أمام موجة جديدة من التحولات التي تتطلب إعادة تعريف لدوره ومنهجيته.
وأكد سرايا أن التكنولوجيا باتت واقعاً لا يمكن تجاوزه أو تجاهله، إلا أن السلوك الإنساني وقدرته على التكيف مع هذه التغيرات يظل أبطأ من سرعة تطور الآلة والخوارزميات. هذا التفاوت يفرض ضرورة تحقيق توازن دقيق بين التجديد التقني المستمر والحفاظ على البعد الإنساني الأصيل في العمل الصحفي. وحذر من أن ترك القيادة المطلقة للخوارزميات قد يسلب الإنسان دوره الجوهري في الفهم العميق، والتفسير الموضوعي، وصناعة المعنى الحقيقي للأحداث، مما قد يؤدي إلى فقدان البوصلة الأخلاقية والإنسانية في المحتوى الإعلامي.
وقال إن الصحافة في جوهرها ليست سباقاً مع السرعة، ولا منافسة مع الخوارزميات في نقل الخبر الأسرع، بل هي قدرة متفردة على الإقناع، والتفسير المعمق، وقراءة ضمير المجتمع وتطلعاته. الصحفي الحقيقي، في رؤية سرايا، لا يجري خلف «الترندات» العابرة أو الأخبار السطحية، بل يصنع الفكرة الأصيلة، ويقود الحوار العام بمسؤولية ووعي، ويحوّل القصة الصحفية من مجرد خبر عابر إلى محتوى معرفي غني يعزز الفهم الإنساني للواقع المعقد الذي نعيش فيه، ويقدم تحليلات معمقة تتجاوز السطح.
محلل بيانات وصانع أفكار وقائد حوار
وأوضح أن دور الصحفي في العصر الرقمي قد تطور بشكل جذري؛ فلم يعد مجرد ناقل للمعلومة فحسب، بل تحول إلى محلل بيانات ماهر، وصانع أفكار مبتكر، ومدير للنقاش المجتمعي، وقادر على تحويل القصة الصحفية من نص مكتوب إلى فيلم وثائقي مؤثر، أو «بودكاست» يتجاوز السطح إلى عمق القضايا، أو محتوى تفاعلي على المنصات الرقمية. ودعا إلى تأسيس الأجيال الجديدة من الصحفيين بالأدوات النقدية اللازمة لفهم آليات عمل الخوارزميات وتأثيراتها، حتى لا تتحول الآلة إلى قوة تقود الإنسان وتتحكم في وعيه، بدلاً من أن تكون أداة قوية في يده لخدمة الحقيقة والمجتمع.
وأشار سرايا إلى أن الصحافة الورقية، على الرغم من التحديات، لا تزال عنصراً فاعلاً ومؤثراً في أي مجتمع، وتسهم في الحفاظ على تماسكه وقيمه بنسب متفاوتة، بفضل مصداقيتها المتراكمة وقدرتها على تقديم محتوى موثوق وعميق. لكنها مطالبة اليوم بأن تقود المنصات الرقمية وتوجهها، لا أن تكون مجرد تابع لها، وذلك من خلال استغلال رصيدها من الثقة والمهنية لتقديم محتوى رقمي عالي الجودة وموثوق. يأتي هذا في وقت يواجه فيه القطاع تحديات اقتصادية كبرى، نتيجة انهيار النموذج الربحي التقليدي، وهجرة الإعلانات والتوزيع إلى البيئة الرقمية، مما يتطلب ابتكار نماذج عمل جديدة ومستدامة.
وأكد الحاجة الملحة إلى مؤسسات صحفية قوية وراسخة تحمي الصحفي من المشتتات الرقمية وضغوط السرعة، وتدافع عن سيادة المحتوى الصحفي الأصيل، وتدير الحوار بفاعلية مع منصات العصر الجديد، دون السماح باستباحة المنتج الصحفي وتحويله إلى مادة عامة بلا قيمة أو حقوق. وشدد على أن المعلومة الحقيقية والمهنية لها ثمن ودور ورسالة سامية، وأن المجتمع شريك أساسي في دعم المحتوى المهني الموثوق، والاستعداد لدفع مقابل المعرفة الموثوقة التي تسهم في بناء وعيه وتفهمه للعالم.
واختتم سرايا حديثه بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي في الحروب القادمة لن يكون تقنياً فقط، بل سيكون معركة مصيرية تدور على حرية الإنسان وهويته في زمن الرقمنة الشاملة. ودعا إلى قيادة الذكاء الاصطناعي بوعي وتشريعات قوية تحمي الإنسان من مخاطره المحتملة، وتحافظ على الهوية المهنية للصحافة التي تعتمد على التحقق والعمق، خاصة بعد أن هدمت البيئة التقنية الجدار الفاصل بين غرفة الأخبار والجمهور. وأشار إلى أن المحتوى النادر والمتميز، إذا أُحسن تقديمه وتغليفه بالمهنية والمصداقية، حافظ على استدامته وبقائه وتأثيره في عالم يتوق إلى الحقيقة والتحليل العميق.


