تشهد الساحة الحقوقية السورية تحركات مكثفة وغير مسبوقة تهدف إلى محاسبة فادي صقر بجرائم حرب، القيادي السابق البارز في مليشيات النظام السوري. تعمل هيئة حقوقية سورية حالياً على إعداد ملف قضائي متكامل يتهم صقر بالتورط في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وذلك وفقاً لما كشفه مسؤول سوري رفيع لصحيفة الغارديان البريطانية. يُعد صقر، الذي كان قائداً في مليشيا قوات الدفاع الوطني، من أبرز الشخصيات التي وُجهت إليها اتهامات بالمشاركة في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري لمدنيين، لا سيما في حي التضامن بالعاصمة دمشق ومناطق أخرى، مما يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة لضحايا الصراع السوري الطويل.
جذور الصراع السوري ومساءلة مرتكبي الجرائم
تعود جذور الصراع في سوريا إلى عام 2011، عندما بدأت احتجاجات سلمية مطالبة بالإصلاح، سرعان ما تحولت إلى نزاع مسلح واسع النطاق بعد قمع وحشي من قبل النظام. خلال هذه السنوات، شهدت البلاد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها أطراف متعددة، لكن تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية تشير إلى أن النظام السوري ومليشياته كانا مسؤولين عن الجزء الأكبر من هذه الفظائع. في هذا السياق، برزت مليشيات مثل قوات الدفاع الوطني، التي تشكلت لدعم الجيش النظامي، كأداة رئيسية في تنفيذ عمليات القمع، حيث تورط العديد من قادتها وعناصرها في انتهاكات خطيرة. وقد وثقت منظمات مثل “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” و”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” آلاف الحالات من القتل والتعذيب والاختفاء القسري، مما يضع الأساس القانوني لمثل هذه التحركات القضائية.
على الرغم من هذه الاتهامات، أثار تعاون النظام السوري السابق مع صقر في ملفات أمنية، في فترة سابقة، غضباً واسعاً بين الضحايا وعائلاتهم الذين طالبوا محاسبة فادي صقر بجرائم حرب. وفي هذا السياق، أكدت نائبة رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، زهرة البرازي، أن الهيئة تعمل بالتعاون مع الضحايا ومنظمات حقوقية لجمع الأدلة اللازمة لإحالة القضية إلى القضاء السوري، الذي يمتلك صلاحية البت فيها.
أهمية هذه التحركات في مسار العدالة الانتقالية
تُعد هذه الخطوة محطة مهمة في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، خاصة بعد أكثر من عقد من الحرب التي خلفت مئات الآلاف من الضحايا وتسببت في انقسامات مجتمعية عميقة. إن ملاحقة شخصيات مثل فادي صقر تبعث برسالة واضحة مفادها أنه لا أحد فوق القانون، وتؤكد على تزايد الضغوط الشعبية لإنهاء الإفلات من العقاب. بالنسبة للضحايا وعائلاتهم، تمثل هذه التحركات بصيص أمل في تحقيق العدالة التي طال انتظارها، وتساعد في تضميد الجراح وتأكيد مبدأ المساءلة.
تأتي هذه التطورات بعد أيام من اعتقال أمجد يوسف، أحد أبرز المتورطين في مجزرة التضامن، والتي وثقتها مقاطع فيديو مسربة أظهرت إعدام ما يقرب من 300 مدني عام 2013 بطرق وحشية. ورغم أن يوسف يواجه القضاء، يؤكد سكان حي التضامن أن المسؤولية لا تقتصر عليه وحده، بل تمتد إلى قيادات عليا، من بينهم فادي صقر. وقد صرح ناشطون أن كل ما حدث في التضامن كان يتم بأوامر مباشرة من فادي صقر، مشيرين إلى أنه كان على علم بعمليات القتل والاعتقال والإخفاء القسري.
تحديات العدالة وآفاق المستقبل
في المقابل، نفى صقر مسؤوليته عن المجازر، مؤكداً أنه لم يعلم بها إلا عبر وسائل الإعلام، وأنه يثق في مسار التحقيقات، مضيفاً أن كل من يثبت تورطه يجب أن يحاسب. غير أن تقارير أكاديمية، منها ما قدمه الباحث أوغور أونغور، تشير إلى أن مجزرة التضامن لم تكن حادثة فردية، بل سلسلة من عمليات القتل التي استمرت خلال عام 2013 وما بعده، بمشاركة مليشيا الدفاع الوطني ضمن تسلسل قيادي يشمل صقر. هذه الأدلة المتزايدة والضغوط الشعبية المتصاعدة تعزز من فرص محاسبة فادي صقر بجرائم حرب وتقديم المسؤولين عن الفظائع إلى العدالة.
كانت الحكومة السورية السابقة قد بررت تعاونها مع شخصيات مثيرة للجدل مثل صقر بالحاجة إلى تحقيق توازن بين متطلبات العدالة وضمان الاستقرار، خاصة مع استمرار التهديدات الأمنية. لكن مع تصاعد الغضب الشعبي، يبدو أن كفة المحاسبة بدأت ترجح، خصوصاً بعد اعتقال أمجد يوسف الذي أعاد القضية إلى الواجهة. يمثل هذا التطور أملاً جديداً لسكان حي التضامن، الذين عاشوا فصولاً دامية من العنف، حيث يرى الكثيرون أن اعتقال صقر سيكون حدثاً فاصلاً، وأكبر بكثير من اعتقال يوسف، وسيكون بمثابة يوم تحرير جديد يؤسس لمرحلة جديدة من المساءلة والعدالة في سوريا.


