أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزور الصين في زيارة رسمية تستغرق يومين، تلبية لدعوة من نظيره الصيني شي جين بينغ. وتأتي هذه الزيارة، التي تعد الأولى لبوتين خارج البلاد بعد إعادة انتخابه لولاية رئاسية جديدة، لتؤكد على عمق العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وبكين، في وقت يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية متسارعة وتوترات متزايدة.
تكتسب هذه القمة أهمية خاصة كونها تتزامن مع الذكرى الخامسة والسبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهي علاقات مرت بمراحل مختلفة، لكنها وصلت في العقدين الأخيرين إلى مستوى غير مسبوق من التعاون. وقد أرست “معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون” الموقعة عام 2001، الأساس القانوني والسياسي لهذه الشراكة المتنامية، والتي تطورت لتصبح تحالفًا استراتيجيًا شاملًا يغطي كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
شراكة “بلا حدود” في عالم متغير
دخلت العلاقات الروسية الصينية مرحلة جديدة مع إعلان الشراكة “بلا حدود” في أوائل عام 2022، قبيل اندلاع الحرب في أوكرانيا. هذا الإعلان لم يكن مجرد بيان دبلوماسي، بل كان رسالة واضحة للعالم، وخصوصًا للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، بأن موسكو وبكين عازمتان على تشكيل قطب جديد في السياسة الدولية، قائم على رؤية مشتركة لعالم متعدد الأقطاب ينهي الهيمنة الغربية. وتأتي زيارة بوتين الحالية لتعزيز هذا التوجه، حيث يسعى البلدان إلى تنسيق مواقفهما لمواجهة الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الدول الغربية، خاصة على روسيا.
أبعاد اقتصادية واستراتيجية لزيارة بوتين للصين
من المتوقع أن تركز المباحثات بين بوتين وشي على مجموعة واسعة من القضايا، يأتي في مقدمتها تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري. فقد شهد حجم التبادل التجاري بين البلدين نموًا قياسيًا في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الصين شريانًا اقتصاديًا حيويًا لروسيا في ظل العقوبات. وتشمل أجندة الزيارة مناقشة مشاريع ضخمة في مجالات الطاقة، حيث تعد روسيا موردًا رئيسيًا للنفط والغاز إلى الصين، بالإضافة إلى تعزيز التعاون في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والبنية التحتية، والزراعة. كما يسعى الطرفان إلى زيادة التعامل بالعملات المحلية (الروبل واليوان) في التجارة البينية، في خطوة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي ونظام سويفت المالي العالمي.
وعلى الصعيد الدولي، سيتبادل الزعيمان وجهات النظر حول أبرز القضايا الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الأزمة الأوكرانية، والوضع في الشرق الأوسط، والتوترات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ومن المرجح أن يختتم اللقاء بتوقيع بيان مشترك ومجموعة من الاتفاقيات الثنائية التي ستعزز الإطار المؤسسي للشراكة، وتؤكد على تطابق رؤى البلدين في مواجهة ما يعتبرانه تحديات مشتركة، مما يرسخ مكانتهما كقوتين مؤثرتين على الساحة العالمية.


