في خطوة تعكس تطوراً في الفقه الإسلامي المعاصر وتأكيداً على مبادئ المساواة، أكد عضو هيئة كبار العلماء سابقاً الدكتور قيس آل الشيخ مبارك، أن الشهادة على رؤية الهلال خبرٌ يستوي فيه الرجل والمرأة، موضحاً صحة وقبول شهادتها على رؤية الهلال. تأتي هذه الفتوى لتسلط الضوء على قضية لطالما أثارت نقاشات فقهية عميقة عبر التاريخ الإسلامي، وتؤكد على دور المرأة في الشعائر الدينية الهامة.
تعتبر رؤية الهلال من أهم الشعائر الإسلامية التي تحدد بدايات ونهايات الشهور القمرية، وعلى رأسها شهر رمضان المبارك وعيدا الفطر والأضحى. تاريخياً، اعتمد المسلمون على الرؤية البصرية للهلال لتحديد هذه الأوقات، وتولى القضاة والعلماء مهمة التحقق من الشهادات المقدمة. وقد تباينت الآراء الفقهية حول شروط هذه الشهادة، ومنها أهلية الشاهد، خاصة فيما يتعلق بشهادة المرأة.
وأوضح الدكتور قيس آل الشيخ مبارك أنَّ بعض الفقهاء رأوا أنَّ هذا أمرٌ عظيم، يترتب عليه أن يصوم الناسُ رمضان، وأنَّ المرأة مظنَّة الخطأ، وأنَّ مِن واجبات القاضي أنْ يَتثبَّت من حدَّة بصر الشاهد، ومن معرفته بمطالع القمر، ودرجة ارتفاعه فوق الأفق وانحرافه في الأُفق، فيُعتَبر في من يَشهد في رؤية الهلال ما يُعتبر في سائر الشهادات. هذه النظرة كانت تستند إلى اعتبارات تتعلق بالدقة المطلوبة في مثل هذه الشهادات التي تؤثر على عبادات ملايين المسلمين، وإلى بعض التأويلات الفقهية التي كانت تضع قيوداً على شهادة المرأة في بعض القضايا.
واستشهد الدكتور قيس بقول أبي الوليد الباجي: “يُشترط أن تخلو شهادتُه عمَّا يوجب إسقاطها، كما إذا شهدَ رجلٌ أنه رأى الهلالَ قريباً من كبد السماء، أو منحرفاً إلى غير جهة المغرب، أو قبل المَحاق، فهذا يُحكم ببطلان شهادته، لأنه إنْ كان ثقةً وعدلاً فلا شك في أنه واهمٌ، وربما يكون رأى نجماً آخر، أو كوكباً غير الهلال، أو شعرةً في عينه، أو غير ذلك، فالعين ربما تُري الإنسانَ ما لا حقيقة له.” هذه الأمثلة توضح مدى الحذر والتدقيق الذي كان يمارسه الفقهاء في قبول شهادات رؤية الهلال، بغض النظر عن جنس الشاهد، مع التركيز على دقة الرؤية ومطابقتها للواقع الفلكي.
ولتلخيص اللغط الذي يكثر مع بداية كلِّ رمضان، ومع إقبال كلِّ عيد، استعاد الدكتور قيس حكايةً ذكرها ابنُ خلكان في تاريخه إذ قال: «تراءى هلالَ شهرِ رمضان جماعةٌ فيهم أنسُ بن مالك رضي الله عنه، وقد قارب المئة، فقال أنسٌ: قد رأيتُه، هو ذاك، وجعل يشير إليه، فلا يَرونه، ونظر إياسٌ إلى أنس، فإذا شعرةٌ مِن حاجبه قد انْثَنتْ، فمسَحها إياسٌ، وسوَّاها بحاجبه، ثم قال له: يا أبا حمزة، أَرِنا موضع الهلال، فجعل سيدنا أنسٌ ينظر ويقول: ما أراه!» هذه القصة الشهيرة تؤكد على أن الخطأ البصري وارد للجميع، رجالاً ونساءً، وأن العبرة ليست بالجنس بل بدقة الرؤية والتحقق منها.
تأتي فتوى الدكتور قيس آل الشيخ مبارك في سياق يزداد فيه الوعي بأهمية تمكين المرأة في مختلف المجالات، بما في ذلك الشؤون الدينية. محلياً، في المملكة العربية السعودية، حيث يشغل الدكتور قيس مكانة علمية مرموقة، يمكن أن تسهم هذه الفتوى في تعزيز النقاش حول دور المرأة في المؤسسات الدينية الرسمية وتأثيرها على القرارات المتعلقة بالشعائر. إقليمياً ودولياً، يمكن أن تلهم هذه الفتوى علماء وفقهاء آخرين لإعادة النظر في بعض التفسيرات التقليدية التي قد تحد من مشاركة المرأة، مما يعزز من مكانتها ويبرز قدرتها على الإسهام في القضايا الدينية الكبرى. إنها خطوة نحو فهم أكثر شمولية للدين، يراعي التطورات الاجتماعية دون المساس بالثوابت الشرعية، ويؤكد على أن الكفاءة والصدق هما المعيار الأساسي للشهادة، بغض النظر عن جنس الشاهد.


