spot_img

ذات صلة

تفجير القامشلي وتفاهمات الحسكة: أمن متوتر ومستقبل شمال شرق سورية

تصعيد أمني وتفاهمات سياسية: تفجير انتحاري في القامشلي يتزامن مع محادثات حاسمة حول مستقبل الحسكة

شهدت مدينة القامشلي، الواقعة في محافظة الحسكة شمال شرقي سورية، يوم الثلاثاء الماضي، حادثاً أمنياً خطيراً تمثل في قيام شخص بتفجير نفسه داخل مرآب مستشفى القلب والعين. هذا الهجوم الانتحاري، الذي أعلنت عنه قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أثار حالة من الذعر والقلق في محيط المستشفى وفي المدينة ككل، مسلطاً الضوء مجدداً على هشاشة الوضع الأمني في هذه المنطقة الاستراتيجية.

ووفقاً لبيان «قسد»، فإن المنفّذ كان يستقل دراجة نارية وفجّر نفسه داخل المرآب، في حادث تزامن مع قصف نفذته طائرات مسيّرة استهدف حي العويجة قرب محطة القطار في المدينة ذاتها. هذه التطورات المتزامنة تشير إلى تعقيد المشهد الأمني، حيث تتداخل التهديدات الداخلية مع الهجمات الخارجية، مما يضع القامشلي وسكانها تحت ضغط مستمر.

حتى الآن، لم تعلن الجهات المعنية حصيلة دقيقة للضحايا أو الإصابات الناجمة عن الانفجار. ومع ذلك، أشارت مصادر مستقلة إلى أن المعطيات الأولية لا تدل على وقوع إصابات كبيرة، بينما تستمر التحقيقات المكثفة لمعرفة ملابسات الحادث وتحديد حجم الأضرار المادية التي لحقت بالمستشفى والمناطق المحيطة. وقد فرضت السلطات المحلية طوقاً أمنياً مشدداً حول موقع التفجير، وباشرت فرق التحقيق بجمع الأدلة وأخذ إفادات شهود العيان، في محاولة لتحديد خلفيات التفجير والجهات المحتمل تورطها فيه.

القامشلي: بؤرة صراع وتحديات أمنية متواصلة

تعتبر القامشلي، كبرى مدن محافظة الحسكة، نقطة محورية في الصراع السوري المستمر منذ عام 2011. تتميز المدينة بتنوعها السكاني الكبير الذي يضم الكرد والعرب والسريان الآشوريين، مما يجعلها فسيفساء ثقافية ودينية غنية. إلا أن هذا التنوع، إلى جانب موقعها الجغرافي القريب من الحدود التركية والعراقية، جعلها مسرحاً لتنافس القوى الإقليمية والدولية. وقد شهدت المدينة على مر السنوات الماضية سلسلة من التفجيرات والهجمات الأمنية التي نفذتها تنظيمات إرهابية مثل داعش، أو كانت نتيجة لاشتباكات بين الفصائل المختلفة، مما يعكس حالة الاستنفار واليقظة الدائمة التي يعيشها سكانها في ظل تداخل العوامل العسكرية والسياسية المعقدة.

تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة من الولايات المتحدة، على معظم مناطق شمال شرق سورية، بما في ذلك القامشلي والحسكة. وقد لعبت «قسد» دوراً محورياً في الحرب ضد تنظيم داعش، لكن وجودها يثير توترات مستمرة مع الحكومة السورية التي تسعى لاستعادة سيادتها على كامل الأراضي السورية، ومع تركيا التي تعتبر الوحدات الكردية المكونة لـ«قسد» امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) وتصنفها كمنظمة إرهابية.

تفاهمات سياسية حاسمة بالتوازي مع التصعيد الأمني

المفارقة اللافتة أن هذا التصعيد الأمني يأتي في وقت بالغ الحساسية، حيث أعلنت الرئاسة السورية، في وقت سابق من نفس اليوم، عن التوصل إلى تفاهم مشترك بين الحكومة السورية و«قسد» حول عدد من القضايا المرتبطة بمستقبل محافظة الحسكة. هذا الإعلان، الذي نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، يمثل تطوراً سياسياً مهماً قد يعيد تشكيل المشهد في شمال شرق سورية.

وأوضحت الرئاسة أن الاتفاق المبدئي يمنح «قسد» مهلة أربعة أيام للتشاور ووضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً. وبحسب البيان، فإن التفاهمات تتضمن بنوداً رئيسية تهدف إلى إعادة دمج الحسكة ضمن الدولة السورية مع الحفاظ على بعض الخصوصيات. ففي حال التوصل إلى اتفاق نهائي، لن تدخل القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، وستبقى على أطرافهما، على أن يتم لاحقاً بحث الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بدمج المحافظة.

كما تم التأكيد على عدم دخول القوات العسكرية السورية إلى القرى الكردية، وحصر الوجود الأمني فيها بقوات محلية من أبناء المنطقة، وهو ما يعكس محاولة لموازنة مطالب السيادة مع الحفاظ على بعض أشكال الإدارة الذاتية المحلية. وتشمل التفاهمات أيضاً مقترحات لتمثيل «قسد» في مؤسسات الدولة السورية، حيث سيطرح قائد «قسد» مظلوم عبدي مرشحاً لمنصب مساعد وزير الدفاع، إلى جانب اقتراح مرشح لمنصب محافظ الحسكة، وأسماء للتمثيل في مجلس الشعب، إضافة إلى قوائم للتوظيف ضمن مؤسسات الدولة.

ويؤكد البيان على الاتفاق على دمج جميع القوات العسكرية والأمنية التابعة لـ«قسد» ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، إلى جانب دمج المؤسسات المدنية ضمن هيكل الحكومة السورية. هذه الخطوات، إن تمت، ستمثل تحولاً جذرياً في بنية الإدارة والسيطرة في شمال شرق سورية.

ولضمان حقوق جميع المكونات، أشارت الرئاسة إلى الاتفاق على تنفيذ المرسوم رقم 13 المتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة للكرد، في إطار التزام مشترك ببناء سورية موحدة قائمة على الشراكة الوطنية وضمان الحقوق لجميع مكوناتها. هذا البند يحمل أهمية خاصة للمكون الكردي الذي طالما طالب بالاعتراف بحقوقه الثقافية واللغوية.

تأثيرات وتحديات مستقبلية

إن التزامن بين الهجوم الأمني في القامشلي والتفاهمات السياسية حول الحسكة يعكس المشهد السوري المعقد والمتناقض. فبينما تسعى الأطراف للتوصل إلى حلول سياسية، تظل التحديات الأمنية قائمة وتهدد بتقويض أي تقدم. إذا ما تم تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد»، فإنه قد يمثل خطوة مهمة نحو استقرار شمال شرق سورية، وربما يفتح الباب أمام حلول أوسع للصراع السوري. ومع ذلك، فإن عملية الدمج ستكون محفوفة بالصعوبات، وتتطلب بناء الثقة بين أطراف متنافسة منذ سنوات، بالإضافة إلى التعامل مع ردود فعل القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوري، مثل تركيا والولايات المتحدة وروسيا. يبقى السؤال الأهم هو مدى قدرة هذه التفاهمات على الصمود أمام التحديات الأمنية والسياسية المعقدة التي لا تزال تعصف بالمنطقة.

spot_imgspot_img