لم يكتمل احتفال جماهير الجيش الملكي بالفوز الثمين (2-1) على الرجاء الرياضي في كلاسيكو الرباط، حتى تحول محيط ملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط إلى ساحة للفوضى والتوتّر. فبعد صافرة النهاية، انتقلت الإثارة من المستطيل الأخضر إلى الشوارع، مخلفة وراءها حصيلة أمنية ثقيلة وتساؤلات حول مستقبل الكرة المغربية. شهدت ليلة الفوضى هذه، التي باتت تُعرف بـ “شغب كلاسيكو الرباط“، توقيف 136 شخصاً، مما يسلط الضوء مجدداً على ظاهرة العنف المرتبطة بالمباريات الكبرى.
ليلة من الفوضى: تفاصيل شغب كلاسيكو الرباط
مباشرة بعد خروج الجماهير من مدرجات الملعب، بدأ التوتر يتصاعد، وتحولت نقاط متفرقة إلى بؤر للشغب. سجلت الجهات الأمنية خسائر مادية ملموسة، خاصة في حي “الفتح” المجاور للملعب، حيث تعرضت سيارات للتخريب، وأُضرمت النيران في دراجة نارية تابعة لأحد عناصر الأمن. كما شهدت الليلة حالات رشق بالحجارة استهدفت عناصر القوات العمومية، مما يعكس مدى التصعيد الذي بلغته الأحداث.
في عملية أمنية دقيقة، تمكنت السلطات الأمنية في الرباط من تحديد هوية المتورطين بفضل تسجيلات كاميرات المراقبة. أسفرت هذه الجهود عن توقيف 136 شخصاً، تم إخضاعهم جميعاً لتدابير الحراسة النظرية بتعليمات من النيابة العامة، مع الاحتفاظ ببعضهم رهن التحقيق لاستكمال الإجراءات القانونية وتحديد المسؤوليات الفردية في أعمال التخريب والعنف.
تاريخ من التنافس: جذور كلاسيكو الجيش والرجاء
لا يمكن فهم أحداث الشغب هذه بمعزل عن السياق التاريخي والرياضي الذي يحيط بمباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي. يُعد هذا الكلاسيكو من أعرق وأشد المواجهات الكروية في المغرب، حيث يمثل كل فريق قطباً رياضياً وجماهيرياً كبيراً. الجيش الملكي، الفريق العسكري العريق، والرجاء الرياضي، ممثل الدار البيضاء ورمز الشعبية الجارفة، يمتلكان تاريخاً حافلاً بالألقاب والمنافسة الشرسة التي تتجاوز حدود الملعب لتصل إلى شغف الجماهير وولائها المطلق.
تاريخياً، لطالما اتسمت مباريات الفريقين بالندية والإثارة، لكنها في بعض الأحيان كانت تشهد تجاوزات من قبل فئة قليلة من الجماهير، خاصة مع ظهور مجموعات “الأولتراس” التي، ورغم دورها الإيجابي في إضفاء أجواء احتفالية على المدرجات، إلا أنها قد تتحول في بعض الأحيان إلى مصدر للتوتر والعنف، مما يضع تحديات كبيرة أمام الجهات المنظمة والأمنية.
تداعيات واسعة: الأثر على المجتمع وكرة القدم المغربية
تطرح هذه الأحداث تساؤلات جدية حول ظاهرة العنف المرتبط بالمباريات الكبرى، وهل بات “الكلاسيكو” خطراً على السلم العام؟ إن تكرار مثل هذه الوقائع يفتح النقاش حول ضرورة إيجاد حلول جذرية للحد من هذه الظاهرة التي لا تسيء فقط لسمعة كرة القدم المغربية، بل تهدد أمن وسلامة المواطنين والممتلكات العامة والخاصة. فالخسائر المادية التي تتكبدها الدولة والمواطنون جراء أعمال التخريب تفوق بكثير خسارة أي مباراة رياضية.
على المستوى المحلي، تؤثر هذه الأحداث سلباً على الحياة اليومية للمدن المستضيفة، وتخلق حالة من الخوف والقلق لدى السكان. أما على الصعيد الوطني، فإنها تشوه صورة المغرب كبلد مضياف وآمن، خاصة في ظل سعي المملكة لاستضافة تظاهرات رياضية كبرى. يتطلب الأمر تضافر جهود جميع الأطراف، من الأندية والجامعات الرياضية إلى السلطات الأمنية والمجتمع المدني، لتعزيز الوعي بأهمية الروح الرياضية ونبذ العنف، وتطبيق القوانين بحزم لضمان أن تبقى الملاعب أماكن للاحتفال الرياضي لا ساحات للصراع والفوضى.
وبينما عادت الأمور إلى نصابها الطبيعي مع انتصاف الليل، واستعادت محاور الطرق بين الرباط والدار البيضاء انسيابيتها، يبقى الدرس المرير من هذه الليلة هو أن خسارة المباراة أهون بكثير من خسارة الأرواح والممتلكات في فوضى لا علاقة لها بالرياضة.


