تتجه الأنظار نحو معبر رفح الحدودي، الشريان الحيوي لقطاع غزة، مع اقتراب موعد إعادة فتحه خلال ساعات قليلة، وذلك في إطار ترتيبات مكثفة تشارك فيها الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل. يأتي هذا التطور الهام عقب انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق غزة، مما يبعث آمالاً جديدة بشأن تخفيف الحصار المفروض على القطاع.
قوة مراقبة أوروبية وتنسيق ثلاثي
أفادت مصادر مطلعة بوصول قوة المراقبة الأوروبية إلى الجانب الفلسطيني من معبر رفح، في خطوة تمهيدية لعملية الفتح المرتقبة. وقد أكد مسؤول أمريكي أن إعادة فتح المعبر ستتم بالتنسيق الوثيق بين مصر وإسرائيل، مما يعكس الطبيعة الحساسة والمعقدة لإدارة هذا المعبر. وتوقعت مصادر أمنية إسرائيلية، نقلها موقع «واللا»، أن يتم الافتتاح يومي الأربعاء أو الخميس، مشيرة إلى أن التوجه الأولي هو فتح المعبر أمام حركة المشاة فقط، وفي كلا الاتجاهين، لتسهيل حركة الأفراد العالقين أو الراغبين في السفر.
بروتوكولات أمنية مشددة وقوائم المسافرين
تتضمن الترتيبات الأمنية المعقدة اتفاقاً على أن تتولى بعثة من جهات أمنية تابعة للاتحاد الأوروبي مسؤولية الفحص الأمني للفلسطينيين المغادرين من قطاع غزة إلى مصر. يهدف هذا الإجراء إلى كشف المطلوبين والنشطاء البارزين، في محاولة لضمان الأمن لكافة الأطراف. وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن إسرائيل ستتلقى يومياً من الجانب المصري قوائم بأسماء المسافرين، والتي ستُعرض على جهاز «الشاباك» للمصادقة الأمنية قبل السماح بالمرور. هذا الإجراء يؤكد على الدور الأمني المحوري لإسرائيل في عملية المراقبة، حتى وإن كانت تتم عن بعد.
آلية الدخول إلى غزة والسماح لعناصر حماس
فيما يتعلق بالدخول إلى غزة من مصر، أوضحت إذاعة جيش الاحتلال أن العملية ستتم على مرحلتين: تفتيش أولي من قبل بعثة الاتحاد الأوروبي، يليه تفتيش أمني إسرائيلي داخل منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بهدف منع التهريب أو دخول غير المصرح لهم. ورغم عدم تحديد العدد النهائي للمغادرين والعائدين، تشير التقديرات إلى بضع مئات يومياً. ومن اللافت أن المصادر أفصحت عن احتمال السماح بخروج عناصر منخفضة المستوى من حركة حماس، ممن لا يشتبه بتورطهم في جرائم قتل، بالإضافة إلى أفراد عائلات عناصر الحركة، بعد موافقة الشاباك المسبقة بناءً على تقييم أمني.
السياق العام والخلفية التاريخية لمعبر رفح
يُعد معبر رفح نقطة العبور الوحيدة لقطاع غزة التي لا تخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة، مما يمنحه أهمية استراتيجية وإنسانية فريدة. على مر السنين، كان المعبر شاهداً على فترات متقطعة من الفتح والإغلاق، مما أثر بشكل عميق على حياة سكان القطاع المحاصرين. بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، تم التوصل إلى «اتفاقية الحركة والعبور» التي نصت على إدارة المعبر من قبل السلطة الفلسطينية ومصر، مع وجود بعثة مراقبة أوروبية (EU BAM) لضمان الشفافية والأمن. إلا أن التطورات السياسية والأمنية اللاحقة، خاصة بعد سيطرة حماس على غزة عام 2007، أدت إلى تعقيد إدارة المعبر وإغلاقه المتكرر، مما فاقم الأزمة الإنسانية في القطاع. إعادة فتحه الآن، بترتيبات دولية معقدة، تعيد إلى الأذهان هذه الخلفية التاريخية الطويلة من التحديات والآمال.
الأهمية والتأثير المتوقع لإعادة الفتح
تكتسب إعادة فتح معبر رفح أهمية قصوى على عدة مستويات. على الصعيد الإنساني، يمثل هذا القرار بصيص أمل لسكان غزة الذين يعانون من نقص حاد في الخدمات الأساسية، ويحتاجون إلى السفر للعلاج الطبي، أو الدراسة، أو لم شمل العائلات. سيسهم في تخفيف الضغط النفسي والمعيشي على آلاف الأفراد العالقين. أما على الصعيد السياسي، فإن التنسيق الثلاثي بين الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل، بمشاركة أوروبية، يشير إلى رغبة في استقرار الأوضاع وتخفيف التوترات في المنطقة، وقد يمهد الطريق لمزيد من التعاون في المستقبل. كما يعكس الدور المحوري للوساطة الأمريكية في التوصل إلى هذه الترتيبات. إقليمياً ودولياً، تُعد هذه الخطوة مؤشراً على الجهود الدولية المستمرة للتخفيف من حدة الأزمة في غزة، وتأكيداً على أهمية الحفاظ على قنوات التواصل والحركة للسكان المدنيين. ورغم أن الافتتاح الأولي يقتصر على المشاة، إلا أنه قد يفتح الباب أمام إمكانيات مستقبلية لتوسيع نطاق عمل المعبر ليشمل حركة البضائع والمساعدات، مما سيكون له تأثير اقتصادي إيجابي ملموس على القطاع المحاصر.
في سياق متصل، وعلى الرغم من هذه التطورات الإيجابية المتعلقة بالمعبر، تستمر الأوضاع الأمنية المتوترة في قطاع غزة. فقد أفادت تقارير بمقتل مواطنين فلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي في حي التفاح بمدينة غزة، كما شنت طائرات الاحتلال غارات جوية على مدينة رفح جنوباً، بالتزامن مع إطلاق نار كثيف من الآليات العسكرية. كما تعرضت المناطق الشرقية من مدينتي غزة وخان يونس لقصف مدفعي، وهاجمت بحرية الاحتلال مراكب الصيد في بحر خان يونس. هذه الأحداث تؤكد على أن التحديات الأمنية والإنسانية في القطاع لا تزال قائمة وتتطلب حلولاً شاملة ومستدامة.


