spot_img

ذات صلة

فتح معبر رفح: غزة تتنفس بعد عامين من الإغلاق

بعد ترقب دام لعامين، يستعد معبر رفح الحدودي، الشريان الحيوي الوحيد لقطاع غزة مع العالم الخارجي عبر مصر، لاستئناف عمله أمام حركة الأفراد. يأتي هذا الإعلان من إسرائيل، الذي يشير إلى استعدادها لإعادة تشغيل المعبر في الاتجاهين الأحد القادم، ليحمل بصيص أمل لمئات الآلاف من الفلسطينيين المحاصرين في القطاع. في الوقت ذاته، تستعد المستشفيات المصرية في محافظة شمال سيناء والمحافظات المجاورة لاستقبال الحالات الإنسانية العاجلة من المصابين والمرضى «الأكثر احتياجاً» من قطاع غزة، في خطوة تعكس الأبعاد الإنسانية لهذا القرار.

السياق التاريخي وأهمية معبر رفح

معبر رفح ليس مجرد نقطة عبور؛ إنه رمز للحياة والأمل لسكان قطاع غزة الذين يعيشون تحت حصار مشدد منذ سنوات طويلة. يُعد المعبر المنفذ الوحيد للقطاع على العالم الخارجي الذي لا يخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة، مما يجعله حيوياً لحركة الأفراد، دخول المساعدات الإنسانية، وخروج المرضى والطلاب والتجار. تاريخياً، شهد المعبر فترات طويلة من الإغلاق والفتح المتقطع، متأثراً بالظروف الأمنية والسياسية المعقدة في المنطقة. إغلاقه الأخير لمدة عامين فاقم من الأزمة الإنسانية في غزة، حيث حُرم آلاف المرضى من تلقي العلاج الضروري في الخارج، وتوقفت حركة الطلاب والتجار، وتشتت العائلات.

لطالما كان معبر رفح نقطة محورية في النقاشات الدولية حول الوضع الإنساني في غزة. الضغوط الدولية والمناشدات المتكررة من منظمات حقوق الإنسان كانت تطالب بفتحه الدائم وغير المشروط لتخفيف معاناة السكان. هذا الإعلان عن إعادة الفتح، حتى لو كان محدوداً، يمثل استجابة جزئية لهذه المطالبات، ويؤكد على الدور المحوري لمصر في التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية في القطاع.

العبور يقتصر على المشاة وبإجراءات مشددة

أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مؤتمر صحفي مساء الثلاثاء، أن معبر رفح بين غزة ومصر سيُفتح في الاتجاهين عند استئناف عمله قريباً. ومع ذلك، شدد نتنياهو على أن العبور سيقتصر على المشاة وبأعداد محدودة للغاية، مع إخضاع الداخلين والخارجين لإجراءات تفتيش وفحوصات أمنية إسرائيلية مشددة. لم يحدد نتنياهو العدد الدقيق للأشخاص الذين سيُسمح لهم بالدخول يومياً، لكنه قدّره بنحو 50 شخصاً إضافة إلى أفراد عائلاتهم، مما يشير إلى أن الفتح سيكون تدريجياً ومراقباً بدقة.

الحصول على تصريح مصري وموافقة أمنية إسرائيلية

أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأربعاء)، أن المؤسسة الأمنية أنهت الاستعدادات لإعادة فتح معبر رفح، ومن المتوقع فتحه خلال الأيام القليلة القادمة. ولأول مرة منذ عامين تقريباً، سيُفتح المعبر أمام حركة الأفراد إلى قطاع غزة، وهو ما يمثل تحولاً مهماً. وبحسب إذاعة الجيش، سيُطلب من أي شخص يرغب في دخول قطاع غزة أو الخروج منه الحصول على تصريح مصري مسبق. ستقوم مصر بإرسال الأسماء إلى جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» للموافقة الأمنية، مما يؤكد على التنسيق الأمني المعقد بين الجانبين.

في تطور لافت، أشارت التقارير إلى أن المغادرين من القطاع لن يُطلب منهم الخضوع لتفتيش أمني إسرائيلي مباشر، خلافًا لما صرّح به رئيس الوزراء في البداية. وبدلاً من ذلك، سيقتصر الأمر على وفد من الاتحاد الأوروبي ومواطنين من غزة يعملون نيابة عن السلطة الفلسطينية، مما قد يسهل حركة فئات معينة.

إشراف إسرائيلي عن بعد وآلية دخول صارمة

ستُشرف إسرائيل عن بُعد على عملية العبور، من خلال جلوس أحد أفراد المؤسسة الأمنية عند نقطة تراقب البوابة «الدوارة» التي يخرج منها الأشخاص إلى مصر. سيمكن هذا الشخص من التحقق عبر تقنية التعرّف على الوجوه من أن المغادرين من القطاع هم بالفعل الحاصلون على تصريح. وباستخدام زر تحكم عن بُعد، سيكون قادراً على فتح البوابة وإغلاقها، مما يتيح منع محاولات تهريب أشخاص غير مصرح لهم.

أما الدخول إلى غزة فسيكون أكثر صرامة، وسيخضع لآلية تفتيش إسرائيلية مكثفة. فأي شخص يدخل عبر المعبر سيصل أولاً إلى موقع تابع للجيش الإسرائيلي، حيث توجد أجهزة فحص وأجهزة كشف المعادن. سيتم تفتيشهم فرداً فرداً، بما في ذلك التعرف على الوجوه، ولن يُسمح لهم بمواصلة السير إلى ما وراء الخط الأصفر، إلى المناطق التي تسيطر عليها حماس، إلا بعد اجتياز ذلك الموقع بنجاح. هذه الإجراءات تعكس المخاوف الأمنية الإسرائيلية المستمرة.

التأثير المتوقع: بصيص أمل وسط تحديات كبيرة

إعادة فتح معبر رفح، حتى لو كان محدوداً، يحمل أهمية كبيرة على عدة مستويات. محلياً في غزة، سيوفر هذا الفتح فرصة لبعض الحالات الإنسانية الملحة، مثل المرضى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل في الخارج، والطلاب الذين يرغبون في استئناف دراساتهم، والعائلات التي طال انتظارها للم شملها. كما قد يسهم في تخفيف الضغط النفسي على السكان المحاصرين، ويمنحهم شعوراً بالاتصال بالعالم الخارجي بعد فترة طويلة من العزلة. ومع ذلك، فإن الأعداد المحدودة والإجراءات المشددة تعني أن التأثير الإيجابي سيكون جزئياً ولن يحل الأزمة الإنسانية الشاملة في القطاع.

إقليمياً، يعزز هذا القرار دور مصر كوسيط رئيسي وشريك إنساني في المنطقة، ويبرز جهودها المستمرة للتخفيف من معاناة الفلسطينيين. كما يعكس التنسيق الأمني والدبلوماسي بين مصر وإسرائيل في إدارة هذا المعبر الحساس. دولياً، قد يُنظر إلى هذا الفتح كخطوة إيجابية نحو تحسين الأوضاع الإنسانية، لكنه لن يغني عن المطالبات بإنهاء الحصار الشامل على غزة وتوفير حلول مستدامة للأزمة. المنظمات الدولية ستراقب عن كثب كيفية تطبيق هذه الإجراءات وتأثيرها الفعلي على الأرض، مع التأكيد على ضرورة ضمان حرية الحركة الكاملة والآمنة للمدنيين.

في الختام، يمثل فتح معبر رفح أمام الأفراد لأول مرة منذ عامين تطوراً مهماً، لكنه يأتي مصحوباً بتحديات كبيرة وإجراءات أمنية صارمة. يبقى الأمل معقوداً على أن يكون هذا الفتح بداية لتخفيف أوسع للحصار، وأن يسهم في تحسين الظروف المعيشية لسكان غزة الذين يستحقون حياة كريمة.

spot_imgspot_img