تستعد سماء المملكة العربية السعودية، ومعها أجزاء واسعة من العالم، لاستقبال مشهد فلكي بديع يتزامن مع بداية شهر رمضان المبارك. فمع غروب شمس اليوم الأربعاء، وبداية دخول الليل، سيُتاح للراصدين فرصة مشاهدة هلال شهر رمضان منخفضاً باتجاه الأفق الجنوبي الغربي. هذا المشهد السماوي يوفر ظروفاً مثالية للرصد والتصوير الفلكي، خاصةً عند صفاء الأجواء وخلو الأفق من أي عوائق بصرية، مما يجعله حدثاً ينتظره هواة الفلك والجمهور على حد سواء.
أوضح رئيس الجمعية الفلكية بجدة، الأستاذ ماجد أبو زاهرة، أن القمر قد وصل إلى مرحلة الاقتران الفلكي يوم أمس الثلاثاء، وتحديداً عند الساعة 03:01 مساءً بتوقيت مكة المكرمة. تُعد هذه اللحظة حاسمة في الدورة القمرية، إذ ينتقل فيها القمر من غرب الشمس إلى شرقها، معلناً بذلك بداية شهر قمري اقتراني جديد. هذه المرحلة هي الأساس العلمي لتحديد بداية الأشهر القمرية، بما في ذلك شهر رمضان الفضيل.
بعد مرحلة الاقتران، يبدأ الهلال بالابتعاد تدريجياً عن الشمس من الناحية الزاوية، ويرتفع شيئاً فشيئاً في قبة السماء خلال الأيام التالية. ومع كل ليلة تمر، يتزايد الجزء المضاء من القمر، ليتحول من هلال رقيق بالكاد يُرى إلى بدر مكتمل في منتصف الشهر. هذه الظاهرة الفلكية المنتظمة تعكس الحركة الدقيقة والمستمرة للقمر في مداره حول كوكب الأرض، وهي حركة درسها الإنسان منذ آلاف السنين لفهم الزمن والمواسم.
ما يميز رصد هذا الهلال الرقيق اليوم هو احتمالية تزامن ظهوره مع ظاهرة فلكية ساحرة تُعرف بـ «نور الأرض» (Earthshine). تحدث هذه الظاهرة عندما ينعكس ضوء الشمس عن سطح الأرض، ليُنير الجزء غير المضاء من القمر بوهج خافت وجميل. هذا الوهج الخفيف يضفي على المشهد جمالاً إضافياً، ويمكن ملاحظته بالعين المجردة في ظروف رصد جيدة، حيث يبدو قرص القمر كاملاً ولكن بجزء مضاء ساطع وجزء آخر مضاء بضوء خافت قادم من كوكبنا.
يواصل القمر رحلته شرقاً بين النجوم من ليلة إلى أخرى، متغيراً في موقعه الظاهري بالنسبة للخلفية النجمية. هذه الحركة الظاهرية تجعله مؤشراً بصرياً مهماً يساعد الفلكيين وهواة الرصد على تتبع الأجرام السماوية الأخرى القريبة من مساره، مثل الكواكب أو التجمعات النجمية. إن متابعة القمر في رحلته الليلية تُعد تجربة فلكية ممتعة ومفيدة في آن واحد.
تُعد هذه الأيام، التي تلي الاقتران مباشرة، بداية مناسبة للغاية لمتابعة القمر في رحلته الليلية ورصد الأجرام السماوية الخافتة. ففي ظل غياب وهج القمر المكتمل، تكون السماء أكثر قتامة، مما يتيح رؤية أفضل للنجوم والكواكب البعيدة. إنها تجربة فلكية تجمع بين المتعة البصرية التي يوفرها جمال الهلال ونور الأرض، والمعرفة العلمية التي تُعمق فهمنا للكون من حولنا.
من الناحية التاريخية والثقافية، يحمل رصد هلال رمضان أهمية قصوى في العالم الإسلامي. فوفقاً للتقويم الهجري، الذي يعتمد على دورة القمر، يُحدد بدء شهر رمضان المبارك برؤية الهلال الجديد بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان. هذه الممارسة، التي تعود إلى زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، تجمع بين الملاحظة الفلكية التقليدية والتأكيد الشرعي، وتُعد لحظة فارقة ينتظرها المسلمون في جميع أنحاء العالم لبدء صيامهم وعباداتهم. لقد اعتمدت الحضارات القديمة أيضاً على رصد القمر لتحديد المواسم والوقت، مما يؤكد على دوره المحوري في حياة البشر عبر العصور.
أما عن أهمية هذا الحدث وتأثيره، فإن بدء شهر رمضان يحمل تأثيراً دينياً واجتماعياً واقتصادياً كبيراً على المستويين المحلي والإقليمي والدولي. فدينياً، هو شهر الصيام والعبادة والتقرب إلى الله. واجتماعياً، يعزز الروابط الأسرية والمجتمعية من خلال التجمعات والإفطارات الجماعية. أما ظاهرة “نور الأرض” الفلكية، فهي تذكير بجمال الكون وتفاعلاته المعقدة، وتشجع على التفكير في مكانة كوكبنا ضمن النظام الشمسي. إنها فرصة تعليمية رائعة للجمهور، خاصة الأطفال، ليتعلموا عن الفلك وجمال السماء، وتلهم جيلاً جديداً من العلماء والمهتمين بالعلوم الفضائية. هذه المشاهد الفلكية لا تقتصر على كونها أحداثاً عابرة، بل هي جسور تربط بين العلم والدين والثقافة، وتُثري التجربة الإنسانية.


