مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتأهب الشاشات العربية ومنصات البث الرقمي لموسم درامي استثنائي، يشهد منافسة شرسة بين كبرى شركات الإنتاج لتقديم باقة متنوعة من الأعمال التي تسعى لحجز مكانة متقدمة في قلوب وعقول المشاهدين. هذا الموسم، الذي يُعد من الأكثر ازدحاماً وتنوعاً في السنوات الأخيرة، يمزج ببراعة بين الدراما الاجتماعية والتاريخية والتراثية والكوميدية، في محاولة لاستقطاب أذواق جميع أفراد الأسرة العربية والخليجية.
لطالما كان شهر رمضان المبارك ذروة الموسم التلفزيوني في العالم العربي، حيث تتجمع العائلات حول الشاشات بعد الإفطار لمتابعة أحدث الإنتاجات الدرامية. هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل تمتد جذورها لعقود، منذ بدايات التلفزيون الرسمي في المنطقة، حيث كانت المسلسلات الرمضانية جزءاً لا يتجزأ من الطقوس اليومية للشهر الفضيل. ومع ظهور القنوات الفضائية في التسعينيات، ثم منصات البث الرقمي في الألفية الجديدة، تطور المشهد الإنتاجي بشكل كبير، ليصبح أكثر احترافية وتنوعاً، وليشهد استثمارات ضخمة تعكس الأهمية الثقافية والاقتصادية لهذا الموسم. الدراما الرمضانية لم تكن مجرد ترفيه، بل كانت مرآة تعكس قضايا المجتمع، وتوثق تاريخه، وتحاكي تحولاته، مما جعلها جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجمعية.
تتجاوز أهمية سباق رمضان الدرامي مجرد المنافسة على نسب المشاهدة، لتلامس أبعاداً ثقافية واجتماعية واقتصادية عميقة. فعلى الصعيد الثقافي، تسهم هذه الأعمال في صون التراث، وإعادة إحياء القصص التاريخية، وتقديم رؤى فنية معاصرة للقضايا المجتمعية. أما اجتماعياً، فتصبح المسلسلات الرمضانية مادة للنقاش العائلي والاجتماعي، وتثير حوارات حول القيم والعادات والتحديات التي تواجه المجتمعات العربية. اقتصادياً، يمثل هذا الموسم محركاً قوياً لصناعة المحتوى، حيث يوفر فرص عمل للآلاف من الفنانين والتقنيين والمبدعين، ويجذب استثمارات إعلانية هائلة، مما يعزز من دور الصناعات الإبداعية في الاقتصاد الوطني والإقليمي. كما أن التنافس يدفع المنتجين لرفع مستوى الجودة والابتكار، مما يعود بالنفع على المشاهد الذي يحظى بخيارات أوسع وأكثر إتقاناً.
في قلب هذا التنافس المحتدم، يتصدر المشهد السعودي بمسلسل «شارع الأعشى 2»، الذي يعود بجزء ثانٍ بعد النجاح الباهر الذي حققه في موسمه الأول. العمل، الذي قدم معالجة درامية لفترة منتصف السبعينات من خلال حارة شعبية نابضة بالحياة، نجح في استحضار الذاكرة الاجتماعية عبر قصص عائلية متشابكة وتحولات اقتصادية وثقافية عميقة. هذا النجاح رفع سقف التوقعات للجزء الجديد، الذي يُنتظر أن يواصل البناء الدرامي المتقن مع تصعيد في خطوط الصراع وتعميق في شخصياته.
وعلى المسار الخليجي، تبرز الدراما الكويتية بقوة من خلال مسلسل «سموم القيظ»، الذي يغوص في أعماق الأعمال التراثية ذات الطابع الاجتماعي. المسلسل يستند إلى بيئة محلية غنية بالتفاصيل الإنسانية والصراعات التقليدية، ويشارك في بطولته نخبة من ألمع نجوم الدراما الخليجية، مما يضمن له ثقلاً جماهيرياً كبيراً. هذا الاهتمام المتزايد بالأعمال التراثية يعكس رغبة الجمهور في استعادة الحكايات الأصيلة في قالب بصري حديث وجذاب.
كما تستعد الدراما السعودية لتقديم عمل تاريخي بصبغة بدوية أصيلة عبر مسلسل «كحيلان»، الذي تدور أحداثه في فضاء صحراوي شاسع، حيث تتصاعد صراعات النفوذ والقوة بين أبناء القبيلة الواحدة. العمل يعتمد على حبكة درامية مشوقة قائمة على المواجهات والتحالفات، في محاولة لإحياء الدراما البدوية بأسلوب إنتاجي معاصر يجمع بين الأصالة والتشويق، بمشاركة مجموعة من الأسماء اللامعة في الساحة المحلية.
وفي جانب الكوميديا، يعود مسلسل «جاك العلم 3» ليواصل حصد الشعبية التي حققها في أجزائه السابقة. يستمر الثنائي الكوميدي ماجد مطرب وريم عبدالله في تقديم شخصيتي «أبو صامل» و«أم صامل» بأسلوب يعتمد على المواقف اليومية الساخرة والمفارقات الكوميدية، مما يجعله خياراً عائلياً مفضلاً وحاضراً بقوة على موائد الإفطار الرمضانية، ويقدم جرعة من الضحك الخفيف والممتع.
أما في الدراما المصرية، التي تعد ركيزة أساسية في المشهد الرمضاني، فيبرز مسلسل «درش» للنجم مصطفى شعبان، الذي يعود إلى أجواء الحارة الشعبية المصرية بقصة اجتماعية تمزج ببراعة بين الماضي العريق والحاضر المتغير. إلى جانبه، يقدم مسلسل «علي كلاي» لأحمد العوضي رحلة صعود شاب فقير في عالم الملاكمة، في إطار درامي يعتمد على الصراع الطبقي والتحولات النفسية العميقة للشخصية الرئيسية، مما يعد بتقديم قصة ملهمة ومشوقة.
ومع استمرار القنوات والمنصات في الإعلان المتتابع عن المزيد من الأعمال الدرامية، يبدو أن سباق رمضان القادم سيكون مفتوحاً على مصراعيه للمفاجآت، وسيشهد منافسة شرسة ليس فقط على نسب المتابعة والإعلانات، بل أيضاً على تصدر قوائم الترند والتأثير في الرأي العام. في النهاية، يبقى الجمهور هو الحكم الأول والأخير في تحديد الأعمال الأكثر حضوراً وتأثيراً، والتي ستترك بصمتها في ذاكرة هذا الموسم الدرامي الحافل.


