spot_img

ذات صلة

رمضان في الحجاز: تقاليد عريقة، بهارات، مستكة، وأجواء عائلية دافئة

مع اقتراب نفحات شهر رمضان المبارك، تتجلى في منطقة الحجاز بالمملكة العربية السعودية استعدادات خاصة وطقوس فريدة تبعث الدفء والبهجة في قلوب الأسر. هذه التحضيرات، التي تتجاوز مجرد إعداد الطعام، تمثل احتفالاً بالتراث العريق وكرم الضيافة الذي يميز أهل الحجاز. فمن المعروف أن المائدة الحجازية الرمضانية لا تكتمل دون شوربة الحب، التي تعدها السيدات بعناية فائقة، مستخدمات مزيجًا خاصًا من بهارات الشوربة التي تمنح الطعام نكهة مميزة ورائحة عبقة تملأ الأجواء.

تتحدث رائدة الأعمال المتخصصة في الأكل الحجازي، علا رجب، عن هذه الاستعدادات، مشيرة إلى أن ربات البيوت يبدأن بتجهيز بهارات الشوربة والسمبوسك منذ بداية شهر شعبان. تتضمن هذه العملية غسل البهارات وتجفيفها بعناية فائقة، ثم صرها في 30 صرة، بعدد أيام شهر رمضان المبارك. هذه الدقة في التحضير تضمن توفر البهارات الطازجة والعطرية لكل يوم من أيام الصيام، مما يعكس حرص المرأة الحجازية على جودة ونكهة الطعام المقدم على مائدة الإفطار. وتشمل الأطباق الأساسية شوربة الحب الحمراء باللحم الضأني، وبهارات السمبوسك البلدي، وخبز باللحم، وهي أطباق تعكس غنى المطبخ الحجازي وتنوعه.

لا يقتصر الأمر على الطعام فحسب، بل يمتد ليشمل أجواء المنزل ككل. فإلى جانب العناية اليومية بعجن عجينة السمبوسك الطازجة، تحرص المرأة الحجازية على تجهيز مجلس العائلة لاستقبال الأهل والأحباب على مائدة الإفطار في أول أيام رمضان، تأكيدًا على قيم الترابط الأسري والضيافة الأصيلة. وتكتمل هذه الطقوس الرمضانية بتبخير دوارق ماء زمزم وكاسات التوتو (أو أي مشروب رمضاني تقليدي) بالمستكة. هذه العادة الفريدة ليست مجرد إضافة عطرية، بل هي جزء من تجربة حسية وروحانية، حيث تضفي المستكة رائحة زكية ومنعشة ترمز إلى النقاء والبركة، وتزيد من جمالية لحظات الإفطار ولقاء الأهل.

تضيف علا رجب أن بعض الأسر تقوم أيضًا بتجهيز التمور بحشوات من اللوز والسمسم، وإعداد سمبوسك التمر، بالإضافة إلى حفظ كميات من السمبوسك مفرزنة لتسهيل التحضير اليومي. أما مائدة السحور، فتختلف بين الأسر، حيث يفضل الكثيرون الأطباق الخفيفة التي لا تسبب الحموضة أو العطش خلال ساعات الصيام الطويلة، مثل الأجبان، الزبادي، والفواكه، بينما يميل آخرون إلى الأكلات المسبكة (الإيدامات) مع خبز الحب، مما يعكس تنوع الأذواق والعادات الغذائية.

تستذكر علا رجب أيام الماضي الجميل، قائلة: “كانت جدتي رحمها الله تحضر اللبن الزبادي المنزلي، وتجهز فتة الحليب”، وهي عادات لا تزال بعض الأسر تحافظ عليها حتى اليوم، مما يبرز استمرارية التراث وتوارثه عبر الأجيال. هذه التقاليد ليست مجرد عادات غذائية، بل هي جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية للحجاز، تعزز الروابط الأسرية والمجتمعية، وتضفي على شهر رمضان بعدًا روحانيًا واجتماعيًا عميقًا.

إن هذه الاستعدادات الرمضانية في الحجاز تحمل أهمية بالغة تتجاوز النطاق المحلي. فعلى الصعيد الثقافي، تساهم في الحفاظ على التراث الأصيل للمنطقة، الذي يتأثر بموقعها كمهد للإسلام ووجهة للحجاج والمعتمرين من شتى بقاع الأرض، مما أثرى مطبخها وعاداتها. وعلى الصعيد الاجتماعي، تعزز هذه الطقوس قيم التكافل والترابط الأسري والمجتمعي، حيث تصبح الموائد الرمضانية ملتقى للأحبة والأقارب، وفرصة لتبادل التهاني والبركات. كما أن الاهتمام بالمنتجات المحلية والتحضيرات المنزلية يدعم الاقتصاد المحلي الصغير ويحافظ على الحرف التقليدية المرتبطة بهذه المناسبة. إنها تجسيد حي لروح رمضان، شهر الخير والبركة، في قلب المملكة العربية السعودية.

spot_imgspot_img