
يحل شهر رمضان المبارك ضيفاً عزيزاً على الأمة الإسلامية، حاملاً معه نسائم الرحمة والمغفرة، ومحيياً في النفوس قيم العطاء والتراحم. وفي المملكة العربية السعودية، وتحديداً في منطقة الحجاز والمدينة المنورة، يكتسب الشهر الفضيل طابعاً اجتماعياً فريداً تميزه عادات متوارثة تضرب بجذورها في عمق التاريخ، ومن أبرز هذه العادات «الطُعمة»، التي تعد مظهراً حياً للتكافل الاجتماعي وحسن الجوار.
مفهوم الطُعمة وجذورها التاريخية
تُعرف عادة «الطُعمة» في الموروث الشعبي الحجازي بأنها تبادل أطباق الطعام بين الجيران والأهل قبيل أذان المغرب. وهي ليست مجرد مشاركة للطعام، بل هي تطبيق عملي للقيم الإسلامية التي تحث على رعاية الجار وتفقده. تاريخياً، كانت هذه العادة بمثابة شبكة أمان اجتماعي تضمن ألا يبيت جار جائعاً في الحي، وتجسد حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الوصية بالجار. في الأحياء القديمة بالمدينة المنورة، كانت الأزقة تضج بالحياة قبل الإفطار، حيث يتنقل الأطفال بالأطباق المغطاة بين البيوت، لتعود تلك الأطباق محملة بأصناف أخرى، مما يخلق مائدة متنوعة في كل منزل ويشيع جوًا من الألفة والمحبة.
ذكريات لا تغيب عن المائدة المدينية
وفي سياق الحديث عن هذه العادة الأصيلة، تستذكر «أم أحمد» تفاصيل «الطُعمة» التي عاشتها منذ طفولتها في أحياء المدينة المنورة، مؤكدة أنها عادة أساسية لا يكتمل رمضان بدونها. وتقول: «لا يكاد يمر يوم دون تبادل الأطباق، فالهدف ليس الطعام بحد ذاته، بل استشعار حق الجار وكسب الأجر، وألا يشم الجار رائحة طعام جاره دون أن يتذوق منه». وتضيف بأسى أن هذه العادة بدأت تقل تدريجياً مقارنة بالماضي، رغم قيمتها الدينية والاجتماعية العميقة.
من جانبها، تشير نورة الحربي إلى الدور المحوري الذي كان يلعبه الأطفال في هذه العادة، حيث كانوا هم «سعاة الخير» الذين يحملون الصحون ويطرقون الأبواب، منتظرين لحظات الغروب لتبادل التهاني والأطباق، مما يغرس في نفوسهم منذ الصغر قيم الكرم والمشاركة. وترى الحربي ضرورة إعادة إحياء هذه الممارسة بصيغ تتناسب مع الحياة المعاصرة للحفاظ على روح التسامح.
تحديات العصر وتطور أشكال التكافل
ومع التوسع العمراني وتغير نمط الحياة، يرى عماد الحربي أن عادة «الطُعمة» واجهت تحديات أدت إلى تراجعها في بعض المناطق الحديثة نتيجة ضعف التواصل المباشر بين الجيران. ويسترجع الحربي ذكريات طفولته قائلاً: «كانت الأبواب مفتوحة والقلوب كذلك، ولم نكن نحتاج لدعوات رسمية. كانت والدتي تُعرفنا بكل طبق ومصدره وتدعو لجيرانه».
ورغم تراجع الشكل التقليدي لـ «الطُعمة» المتمثل في طرق الأبواب، إلا أن روحها لا تزال حاضرة في المجتمع السعودي من خلال صور مستحدثة، مثل موائد الإفطار الجماعية في الأحياء، والمبادرات الخيرية لتوزيع وجبات الإفطار عند الإشارات وفي الساحات، مما يؤكد أن جوهر رمضان القائم على الجود والتراحم لا يزال راسخاً في وجدان المجتمع، وإن اختلفت أساليب التعبير عنه.


