spot_img

ذات صلة

عادات رمضان في حائل: التقريشة والطعمة تعزز الروابط الاجتماعية

عادات رمضان في حائل

في منطقة حائل، شمال المملكة العربية السعودية، لا يحل شهر رمضان المبارك كضيف عابر، بل يأتي ليوقظ ذاكرة المكان ويعيد رسم ملامح الحياة الاجتماعية وفق تقاليد عريقة تأبى الاندثار. يستقبل أهالي المنطقة الشهر الفضيل بمزيج من الروحانية والاحتفاء بالموروث الشعبي، حيث تتجلى معاني الألفة والمحبة، ويغدو رمضان موسمًا لتجديد الروابط الإنسانية التي تميز المجتمع الحائلي المعروف تاريخيًا بكرمه المتأصل.

«التقريشة».. وداع شعبان واستقبال الصيام

قبل ثبوت رؤية هلال رمضان، وتحديدًا في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، تحيي العائلات في حائل عادة «التقريشة». وتُعد هذه العادة بمثابة احتفالية اجتماعية لتوديع أيام الإفطار واستقبال شهر الصوم، حيث تجتمع الأسرة الممتدة والأقارب في وليمة كبيرة. لا تقتصر «التقريشة» على تناول الطعام فحسب، بل هي تهيئة نفسية وروحية للكبار والصغار، يشارك فيها الأطفال فرحة الاستعداد، بينما تتزين النساء والفتيات بالزي الشعبي التقليدي المعروف بـ«المسرح»، في مشهد يعكس التمسك بالهوية البصرية للمنطقة.

موائد حائل.. نكهة التاريخ والأصالة

مع حلول الشهر، تتحول الموائد الرمضانية في حائل إلى معرض حي للمأكولات الشعبية التي ارتبطت بذاكرة الأجيال. تتصدر المائدة أطباق مثل «التمّن» الحائلي الشهير، و«المقشوش»، و«الجريش»، و«الهريس»، و«العصيدة»، و«الثريد». هذه الأصناف ليست مجرد وجبات لسد الجوع بعد نهار طويل، بل هي رموز ثقافية تعبر عن كرم الضيافة. وتكتسب هذه الموائد قيمتها الحقيقية من خلال الاجتماعات العائلية وموائد الإفطار الجماعية التي تقام في الأحياء، حيث يجتمع الجيران والأقارب لكسر صيامهم سويًا، مما يعزز صلة الرحم ويقارب القلوب بين مختلف الفئات العمرية.

«الطعمة».. تكافل اجتماعي عابر للجدران

من أبرز العادات التي لا تزال صامدة في حائل عادة «الطعمة»، وهي تبادل الأطباق الرمضانية بين الجيران قبيل أذان المغرب. يمثل هذا التقليد أرقى صور التكافل الاجتماعي، حيث يحرص الأهالي على أن يتذوق جيرانهم مما طبخوه، مما يضمن عدم بقاء أي بيت دون طعام متنوع، وينشر مشاعر المودة والأخوة. وتلعب سيدات حائل دورًا محوريًا في استمرار هذه العادة، حيث يشرفن على إعداد وتوزيع هذه الأطباق، مما يوطد عرى المحبة ويعزز علاقات البيوت ببعضها البعض.

الأهمية الثقافية والاجتماعية للموروث الرمضاني

تكمن أهمية هذه العادات في كونها حصنًا منيعًا أمام تغيرات نمط الحياة الحديثة التي قد تؤدي إلى العزلة الاجتماعية. ففي ظل تسارع وتيرة الحياة، تأتي طقوس رمضان في حائل لتعيد الاعتبار لقيم الجماعة والمشاركة. كما أن الحفاظ على هذه التقاليد يتماشى مع التوجه العام في المملكة العربية السعودية نحو صون التراث غير المادي، وإبراز التنوع الثقافي لمناطق المملكة المختلفة، مما يجعل من رمضان حائل نموذجًا حيًا لكيفية تعايش الأصالة مع المعاصرة.

spot_imgspot_img