spot_img

ذات صلة

ذكريات رمضان زمان: قصة تحري الأذان في الباحة قبل 50 عاماً

قبل نصف قرن من الآن، كانت ليالي رمضان في بيوتات الباحة تحمل طابعاً فريداً من البساطة والروحانية، وتنسج فصولها تفاصيل اجتماعية دقيقة تعكس واقع الحياة آنذاك. من بين هذه الذكريات العالقة في أذهان كبار السن، تبرز عادة لطيفة ابتدعتها الأمهات والجدات، وهي إبعاد الأطفال عن مائدة الإفطار الأولى بذريعة تكليفهم بمهمة جليلة: تحري أذان المغرب من ساحات القرية وفنائها الواسع.

السياق الاجتماعي لعادة رمضانية فريدة

في تلك الحقبة، لم تكن موائد رمضان تتسم بالبذخ والوفرة التي نشهدها اليوم. كانت الحياة أبسط، والموارد محدودة، مما جعل كل وجبة تحظى بتقدير خاص. انطلاقاً من هذا الواقع، كان الحرص على أن يبدأ الصائمون الكبار إفطارهم أولاً، فهم الذين تحملوا مشقة الجوع والعطش طوال اليوم. أما الأطفال، الذين قد لا يكونون صائمين أو صيامهم غير مكتمل، فكان وجودهم على المائدة منذ اللحظة الأولى قد يسبب حرجاً للجميع في ظل محدودية الطعام. من هنا، ولدت فكرة “تحري الأذان” كحل تربوي واجتماعي ذكي، يحفظ للكبار أولويتهم ويمنح الصغار شعوراً بالأهمية والمسؤولية.

أهمية المهمة وأصداء الفرح

كانت المهمة تتيح لكبار الأسرة كسر صيامهم بهدوء على ما تيسر من تمر وماء، وربما بعض الخبز الشعبي مع “الإيدام” (المرق)، أو قليل من اللبن والسمن. في هذه الأثناء، كان الأطفال يتجمعون في الساحات، عيونهم وآذانهم معلقة صوب مئذنة المسجد، في انتظار اللحظة التي يصدح فيها صوت المؤذن. وما إن يرتفع صوت “الله أكبر” معلناً حلول وقت المغرب، حتى ينطلق الصبية في سباق محموم نحو بيوتهم، وهم يرددون بصوت عالٍ ومرح “آهو وذّن… آهو وذّن”، ليزفوا البشرى لأهلهم. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان بعضهم يزيد من أجواء الاحتفال بمحاكاة صوت مدفع الإفطار الذي سمعوا عنه، فيضعون بارود الكبريت في نقرة حجرية ويطرقونها بقوة بمسمار، ليصدر صوت فرقعة يتردد صداها في أرجاء المكان معلنة الفرحة بقدوم الإفطار.

تراث ثقافي يعكس قيم الماضي

لم تكن هذه العادة مجرد وسيلة لتدبير الطعام، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من منظومة القيم الاجتماعية التي سادت في ذلك الزمن. لقد علّمت الأجيال السابقة احترام الكبير، والصبر، والمشاركة المجتمعية، وحولت لحظة انتظار الإفطار إلى طقس اجتماعي مبهج يشارك فيه الجميع. اليوم، ومع تغير أنماط الحياة وتوفر سبل الراحة، اندثرت الكثير من هذه العادات، لكنها بقيت حية في الذاكرة كشاهد على زمن كانت فيه السعادة تكمن في أبسط التفاصيل، وكانت الروابط الأسرية والمجتمعية هي الثروة الحقيقية.

spot_imgspot_img