في زيارة تاريخية هي الأولى له إلى جنوب لبنان، أكد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، أن الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة تشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة لبنان وتهديداً مباشراً لحياة المدنيين. هذه الزيارة تحمل دلالات عميقة في ظل التوترات المستمرة على الحدود الجنوبية، وتأتي لتؤكد التزام الدولة اللبنانية تجاه هذه المنطقة الحيوية.
وأعلن سلام عن إطلاق حزمة مشاريع طموحة لإعادة الإعمار والتنمية، بتمويل محلي ودولي، مشدداً على أن الحكومة تعمل على مسارات متكاملة تشمل الإغاثة، وإعادة الإعمار، والتعافي الاقتصادي والاجتماعي الشامل.
لطالما كان جنوب لبنان خط المواجهة الأول، وشهد على مر العقود صراعات وحروباً مدمرة، كان أبرزها الاحتلال الإسرائيلي الذي دام لعقود، وحرب تموز عام 2006 التي خلفت دماراً واسع النطاق في البنى التحتية والمنازل والموارد الاقتصادية. هذه الأحداث المتتالية أدت إلى نزوح جماعي وتدهور في الظروف المعيشية، مما جعل الحاجة إلى إعادة الإعمار والتنمية أمراً حيوياً لتعزيز صمود الأهالي وعودتهم إلى ديارهم. إن التحديات الأمنية والاقتصادية التي يواجهها الجنوب تتطلب استجابة وطنية ودولية منسقة لضمان الاستقرار والازدهار.
تكتسب هذه الزيارة أهمية قصوى على الصعيد المحلي، إذ تبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة اللبنانية حاضرة وفاعلة في الجنوب، وأنها لن تتخلى عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها. إن حق أهالي الجنوب في الأمن والعيش الكريم هو حق وطني غير قابل للتصرف، كما أكد رئيس الحكومة. ولا تقتصر سيادة الدولة على انتشار الجيش وسيطرته على الأرض، بل تتعداها لتشمل توفير الخدمات الأساسية من مدارس ومراكز صحية ومياه وكهرباء واتصالات وطرق صالحة، وضمان حياة كريمة للمواطنين. هذه المشاريع ستساهم في إعادة بناء ما دمرته الحروب، وتحسين جودة الحياة، وتوفير فرص عمل، مما يعزز صمود المجتمعات المحلية ويشجع على عودة النازحين.

على الصعيدين الإقليمي والدولي، تعكس هذه المبادرة التزام لبنان بسيادته ووحدة أراضيه، وتؤكد على أهمية الدعم الدولي في تحقيق الاستقرار والتنمية. إن استقرار جنوب لبنان هو ركيزة أساسية لاستقرار لبنان ككل، ويسهم في التخفيف من التوترات الإقليمية. وقد أعلن رئيس الحكومة عن تأمين تمويل كبير لهذه المشاريع، يشمل قروضاً ميسرة ومنحاً من جهات دولية متعددة. فبالإضافة إلى التمويل من الموازنة العامة، تم تأمين 250 مليون دولار كقروض ميسرة من البنك الدولي، و75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، بالإضافة إلى منحة بقيمة 35 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي وفرنسا والدنمارك، مع تركيز خاص على دعم القطاع الزراعي والتعاونيات الزراعية، لما له من دور حيوي في الاقتصاد المحلي.
وأوضح سلام أن العمل يرتكز على ثلاثة محاور أساسية: صون كرامة الصامدين، ودعم العائدين، وتأمين حياة أفضل للجميع. كما تعمل الحكومة على ثلاثة مسارات متكاملة: استمرار الإغاثة، وإعادة الإعمار، وتوفير شروط التعافي الاقتصادي والاجتماعي. هذه الرؤية الشاملة تهدف إلى بناء مستقبل مستدام للمنطقة. واختتم رئيس الحكومة حديثه بالتأكيد على أنه سيعود قريباً في زيارة ثانية إلى الجنوب لمتابعة تنفيذ هذه المشاريع الحيوية، مما يؤكد جدية الالتزام الحكومي تجاه هذه المنطقة الصامدة.


