spot_img

ذات صلة

تجدد القتال شرق حلب: الجيش السوري وقسد في مواجهة حاسمة

تجددت المواجهات العسكرية المحتدمة بين قوات الجيش السوري والقوات الكردية (قسد) في ريف حلب الشرقي ليلة أمس، في تصعيد يعكس سعي دمشق الحثيث لاستعادة السيطرة الكاملة على هذه المنطقة الاستراتيجية بعد بسط نفوذها على مدينة حلب الكبرى، العاصمة الاقتصادية السابقة لسوريا.

ووفقًا لما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن مصدر عسكري اليوم الأربعاء، فقد استهدفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منازل المدنيين ونقاطًا للجيش السوري في محيط قرية حميمة بريف حلب الشرقي، مستخدمة في ذلك الرشاشات الثقيلة والطيران المسيّر. وأكد المصدر أن الجيش السوري ردّ بقوة على مصادر النيران هذه، في إشارة إلى تبادل مكثف لإطلاق النار.

من جانبها، أفادت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بأنها تمكنت من التصدي لمحاولة تسلل على محور قرية زُبيدة، الواقعة في الريف الجنوبي لدير حافر، مما يشير إلى أن الاشتباكات لم تقتصر على منطقة واحدة بل امتدت على عدة محاور في المنطقة المتنازع عليها.

تأتي هذه التطورات في سياق أوسع للصراع السوري المستمر منذ عام 2011، والذي شهد تحولات جذرية في موازين القوى. لطالما كانت حلب، بوابتها الشرقية، نقطة محورية في الصراع نظرًا لأهميتها الاقتصادية والجغرافية. وقد شهدت المدينة ومحيطها معارك ضارية بين مختلف الأطراف، بما في ذلك القوات الحكومية والفصائل المعارضة والقوات الكردية، مما جعلها رمزًا لتعقيدات الأزمة السورية.

الجيش السوري كان قد طالب، يوم الثلاثاء الماضي، القوات الكردية بالانسحاب الفوري من المناطق التي تسيطر عليها شرق مدينة حلب وصولًا إلى شرق نهر الفرات، معلنًا المنطقة الواقعة إلى الشرق من مدينة حلب وحتى نهر الفرات منطقة عسكرية مغلقة. ونشر الجيش خريطة توضيحية حدد فيها باللون الأحمر المناطق التي طالب بالانسحاب منها، والتي تشمل بلدات مسكنة وبابيري وقواس ودير حافر، الواقعة بين غرب نهر الفرات وشرق مدينة حلب. إلا أن قوات سوريا الديمقراطية زعمت أن القوات الحكومية قصفت دير حافر، حيث تقع بلدتا الحميمة وزبيدة، مما يزيد من حدة التوتر.

وكان الجيش السوري قد أحكم سيطرته الكاملة على مدينة حلب يوم الأحد، بعد دحر المقاتلين الأكراد من حيين كانا تحت سيطرتهم، وهما الشيخ مقصود والأشرفية. هذه السيطرة الكاملة على المدينة منحت دمشق زخمًا إضافيًا في سعيها لاستعادة المناطق المحيطة بها، خاصة تلك التي تقع تحت سيطرة قسد.

تسيطر القوات الكردية، ممثلة بقوات سوريا الديمقراطية، على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، وهي مناطق غنية بالموارد الطبيعية، أبرزها حقول النفط والغاز. وقد شكلت قسد رأس حربة رئيسية في قتال تنظيم داعش الإرهابي، وتمكنت من دحره من آخر معاقله في البلاد عام 2019 بدعم كبير من التحالف الدولي بقيادة واشنطن. هذا الدعم منحها نفوذًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا، لكنه أيضًا وضعها في موقف معقد مع الحكومة السورية التي تعتبر وجودها غير شرعي في بعض المناطق.

تثير هذه الاشتباكات تساؤلات حول مستقبل التواجد الكردي في شمال سوريا وعلاقاته المتوترة مع الحكومة السورية. فبينما تسعى دمشق لفرض سيادتها الكاملة على جميع الأراضي السورية، تطمح القوات الكردية إلى الحفاظ على مستوى من الحكم الذاتي في مناطقها. هذا التناقض الجوهري يغذي التوترات ويجعل من هذه المناطق بؤرة صراع محتملة في أي وقت.

وفي سياق متصل، نقلت وكالة سانا عن مصدر استخباراتي قوله إن تنظيم قسد يقوم بتجنيد المطلوبين للدولة السورية والهاربين إلى مناطقه مقابل البقاء فيها. وأشار المصدر إلى أن أعدادًا كبيرة من فلول النظام البائد والمطلوبين لارتكاب جرائم مختلفة أصبحوا مقاتلين إلى جانب تنظيم قسد، مدعيًا أن هؤلاء المجرمين يتم تجنيدهم بدعم من إيران وحزب العمال الكردستاني “الإرهابي”.

وأضاف المصدر أن عناصر من حزب العمال الكردستاني، بالتعاون مع تنظيم قسد، مسؤولون عن قصف مدينة حلب بمسيرات إيرانية الصنع، لافتًا إلى أن عناصر هذا التنظيم تستثمر “الفلول” وتمدّهم بالعبوات الناسفة وأدوات التفخيخ لاستهداف التجمعات المدنية وقوات الجيش والأمن السوري. وأكد المصدر أن جهاز الاستخبارات العسكرية تمكن من إحباط عدة عمليات أثناء تصعيد تنظيم قسد في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب.

إن تجدد القتال في شرق حلب يحمل تداعيات خطيرة على المستويين المحلي والإقليمي. محليًا، يهدد هذا التصعيد بتفاقم الأوضاع الإنسانية للمدنيين، ويزيد من موجات النزوح المحتملة، ويعرقل أي جهود لإعادة الإعمار والاستقرار في المنطقة. إقليميًا، يعيد هذا التوتر خلط الأوراق بين القوى الفاعلة في سوريا، بما في ذلك الحكومة السورية وحلفاؤها (روسيا وإيران)، والقوات الكردية وحلفاؤها (الولايات المتحدة)، وتركيا التي تراقب الوضع عن كثب بسبب مخاوفها الأمنية المتعلقة بالقوات الكردية. دوليًا، يعكس هذا التصعيد استمرار تعقيد الأزمة السورية وغياب حل سياسي شامل، مما يبقي المنطقة على صفيح ساخن.

spot_imgspot_img