في موقف حاسم أثار الكثير من الجدل في الأوساط الفنية العربية، أعلنت المخرجة ريما الرحباني، ابنة المطربة اللبنانية الكبيرة فيروز، رفضها القاطع لتنظيم أي فعاليات أو حفلات تحمل طابع التكريم لشقيقها الموسيقار الكبير زياد الرحباني. وجاء هذا الموقف بالتزامن مع اقتراب بعض المناسبات التي تحاول بعض الجهات استغلالها لتقديم أعماله بطرق مختلفة، حيث أكدت ريما أن الحفاظ على هذا الإرث الفني العريق يستوجب عدم تقديم أعماله بأي شكل يختلف عن النسخ الأصلية التي وضعها وصنعها بنفسه.
مدرسة الرحابنة الفنية وصراع الحفاظ على الهوية
تعد عائلة الرحباني واحدة من الأعمدة الأساسية التي تأسست عليها الموسيقى العربية الحديثة. فمنذ عقود، قدم الأخوين رحباني (عاصي ومنصور) برفقة جارة القمر فيروز ثورة موسيقية غيرت وجه الفن العربي. وامتداداً لهذا الإرث، شكلت عبقرية زياد الرحباني الموسيقية والمسرحية حالة فريدة من نوعها جمعت بين النقد السياسي والاجتماعي الساخر والموسيقى المبتكرة التي دمجت الشرق بالغرب وخاصة موسيقى الجاز. وطوال السنوات الماضية، كانت ريما الرحباني بمثابة الحارس الأمين على هذا الإرث العائلي، حيث خاضت معارك قانونية وإعلامية متعددة لمنع تشويه أو استغلال أعمال والديها وشقيقها دون الحصول على الموافقات اللازمة، إيماناً منها بأن هذه الأعمال يجب أن تبقى في إطارها الفني والفكري الأصيل.
موقف ريما الرحباني من تسليع الفن وتذاكر الـ 100 دولار
أوضحت المخرجة اللبنانية، عبر منشور مطول على حسابها الرسمي في منصة “فيسبوك”، أن إعادة غناء أو توزيع مؤلفات زياد الرحباني، أو إجراء أي تعديلات موسيقية عليها تحت شعار “التكريم” لا يعكس احتراماً حقيقياً لتجربته الرائدة، بل يسيء إليها بشكل مباشر. واعتبرت أن أفضل وسيلة لتكريم هذا الإرث هي تركه كما هو دون أي تدخل أو تشويه. وتطرقت ريما الرحباني في حديثها إلى المبادئ الفكرية والسياسية التي عاش بها شقيقها، مشيرة إلى التزامه الفكري المعروف وانحيازه الدائم للفقراء والمهمشين. وانتقدت بشدة إقامة حفلات تكريمية تُباع تذاكرها بأسعار مرتفعة تصل إلى 100 دولار، مؤكدة أن زياد كان يحرص دائماً على أن تكون حفلاته متاحة لجميع فئات الشعب، وكان يفضل تخفيض أجره الشخصي بدلاً من تحميل جمهوره أعباء مالية إضافية لا يطيقونها.
الأثر المتوقع ودعوة لإحياء الإرث في المدارس والجامعات
لم يمر تصريح المخرجة اللبنانية مرور الكرام، بل أحدث صدى واسعاً محلياً وإقليمياً، حيث انقسم الجمهور والنقاد بين مؤيد يرى في موقفها حماية ضرورية للفن النبيل من التجارة والاستهلاك، وبين معارض يرى أن التكريم وإعادة تقديم الأعمال يساهم في تعريف الأجيال الجديدة بها. ووجهت رسالة شديدة اللهجة لمن يدعون اليوم قربهم من زياد، معتبرة أن الكثير منهم لم يعايشوا فكره الحقيقي أو يفهموا أبعاد شخصيته الاستثنائية خلال مسيرته الفنية. واختتمت رؤيتها بالتأكيد على أن إحياء ذكرى المبدعين يجب أن يقتصر على بث أعمالهم بنسخها الأصلية، أو تنظيم مبادرات طلابية مجانية داخل المدارس والجامعات للتعريف بإنتاجهم الفني والفكري، وهو الشكل الوحيد الذي ينسجم مع قناعاتهم ويحفظ قيمتهم الفنية السامية بعيداً عن المظاهر الإعلامية الزائفة.


