spot_img

ذات صلة

معرض بدايات الرياض: توثيق الفن السعودي الحديث والرواد (2026)

تستعد العاصمة السعودية، الرياض، لاحتضان حدث ثقافي بارز يضيء صفحات من تاريخ الفن التشكيلي في المملكة، وذلك مع انطلاق معرض «بدايات: بدايات الحركة الفنية السعودية». يُقام هذا المعرض المرتقب في المتحف الوطني السعودي بحي المربع التاريخي، في الفترة من 27 يناير 2026 وحتى 11 أبريل 2026، ليقدم رحلة توثيقية معمقة لمسار الفن السعودي منذ ستينات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينات، وهي فترة حاسمة شهدت تشكيل الهوية الفنية للمملكة.

يمثل هذا المعرض فرصة استثنائية للغوص في جذور المشهد الفني السعودي، حيث يستعرض تطوّر الممارسات الفنية والروح التأسيسية التي ميزت تلك الحقبة. من خلال مجموعة غنية من الأعمال الفنية والوثائق الأرشيفية، يسلط المعرض الضوء على الجيل الرائد من الفنانين الذين أسهموا بجهودهم في صياغة ملامح الفن الحديث في المملكة، متتبعًا السياقات الثقافية والفكرية والاجتماعية التي رافقت تلك المرحلة التأسيسية. هذه الفترة كانت شاهدة على تحولات مجتمعية كبرى، انعكست بوضوح في الأعمال الفنية التي بدأت تظهر، معبرة عن تطلعات وأفكار جيل جديد من المبدعين.

تتجاوز أهمية معرض «بدايات» كونه مجرد عرض فني؛ فهو يمثل جهدًا ثقافيًا كبيرًا لتوثيق وحفظ الذاكرة الفنية للمملكة. في سياق رؤية السعودية 2030 التي تولي اهتمامًا بالغًا للثقافة والتراث، يأتي هذا المعرض ليؤكد على التزام المملكة بتعزيز هويتها الثقافية والفنية، وتقديمها للعالم. إن تسليط الضوء على الرواد الأوائل يسهم في بناء جسر بين الأجيال، ويلهم الفنانين الشباب للاستفادة من تجارب الماضي والبناء عليها نحو مستقبل فني مزدهر.

يضم المعرض أعمالًا فنية متنوعة تشمل اللوحات والمنحوتات وأعمال الورق، إلى جانب مواد أرشيفية قيّمة تُعرض للمرة الأولى للجمهور والباحثين. هذه المواد الأرشيفية، التي قد تشمل رسائل شخصية، صورًا نادرة، أو مقالات صحفية قديمة، تتيح للزوار الاطلاع على بدايات التجارب الفنية السعودية وتحولاتها البصرية والفكرية. كما يرصد المعرض العلاقة المعقدة بين التأثيرات الفنية الحديثة التي كانت سائدة عالميًا والخصوصية المحلية المتجذرة في الثقافة السعودية، والتي أسهمت في صياغة هوية فنية متفردة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

ينقسم المعرض إلى ثلاثة محاور رئيسية، كل منها يتناول جانبًا حيويًا من نشأة وتطور الحركة الفنية الحديثة في السعودية. المحور الأول يتناول نشأة حركة الفن الحديث في المملكة، مستعرضًا الظروف التي أدت إلى ظهورها. المحور الثاني يركز على تيارات الحداثة الفنية التي تأثر بها الفنانون السعوديون وكيف قاموا بتكييفها مع بيئتهم. أما المحور الثالث فيسلط الضوء على إسهامات عدد من روّاد الحركة الفنية السعودية، وهم قامات فنية مثل عبدالحليم رضوي، المعروف بتجاربه التجريدية، ومحمد السليم، الذي أثرى المشهد بأعماله المتنوعة، ومنيرة موصلي، وصفية بن زقر، التي تعد من أوائل الفنانات التشكيليات السعوديات اللواتي تركن بصمة واضحة، بوصفهم نماذج محورية في تلك المرحلة التأسيسية التي أرست دعائم الفن السعودي المعاصر.

ولتعزيز التجربة الثقافية، يصاحب المعرض إصدار مطبوع شامل يوثق الأعمال المعروضة ويقدم دراسات نقدية، بالإضافة إلى فيلم وثائقي يسرد قصص هؤلاء الرواد وتجاربهم الفنية. كما يتضمن برنامجًا ثقافيًا غنيًا يضم جلسات حوارية وورش عمل متخصصة تناقش قضايا محورية مثل التعليم الفني المبكر، ودور المؤسسات الثقافية في دعم الفن، والأهمية القصوى لتوثيق الأرشيف الفني السعودي للحفاظ على هذا الإرث للأجيال القادمة. هذه الأنشطة المصاحبة تهدف إلى إثراء النقاش حول الفن السعودي وتعزيز الوعي بأهميته.

يأتي معرض «بدايات» ضمن الجهود المستمرة والرامية إلى توثيق تاريخ الفن السعودي وإتاحته للجمهور والباحثين على حد سواء، بوصفه جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الثقافية للمملكة ومسارها الفني المتجدد الذي يشهد حراكًا غير مسبوق. إن هذا الحدث لا يحتفي بالماضي فحسب، بل يمهد الطريق لمستقبل الفن السعودي، مؤكدًا على مكانة المملكة كمركز ثقافي وفني رائد في المنطقة والعالم.

spot_imgspot_img