اختتمت العاصمة الرياض بنجاح باهر فعاليات أسبوع الرياض الدولي لتسوية المنازعات 2026، الذي شكّل منصة عالمية رائدة جمعت نخبة من القيادات الحكومية والعدلية، والقضاة، وخبراء القانون والتحكيم، بالإضافة إلى قيادات الأعمال من مختلف أنحاء العالم. يأتي هذا الحدث ليؤكد على التزام المملكة العربية السعودية بتعزيز بيئة استثمارية جاذبة وموثوقة، تماشياً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الطموحة التي تركز على التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتي تتطلب بدورها نظاماً قانونياً قوياً وآليات فعالة لتسوية المنازعات.
ناقش المؤتمر الرئيسي للأسبوع، تحت شعار “تسوية المنازعات بموثوقية في ظل عالمٍ مضطرب”، محاور جوهرية تناولت الدور المحوري للحوكمة الراسخة والوضوح القانوني والتسوية الفعالة للمنازعات في بناء الثقة والاستقرار الاقتصادي. وقد تضمن البرنامج العلمي المكثف خمس جلسات حوارية متخصصة، ركزت على استشراف آفاق نمو صناعة تسوية المنازعات عالمياً وتطويرها بما يواكب التحديات والمتغيرات الدولية. هذه المناقشات تعكس إدراك المملكة لأهمية مواكبة التطورات القانونية العالمية لضمان بيئة أعمال عادلة وشفافة.
حظي الملتقى القضائي العربي لاتفاقية نيويورك باهتمام واسع النطاق، كونه إحدى أبرز الفعاليات التخصصية ضمن الأسبوع. جمع الملتقى 50 قاضياً من 22 دولة عربية مع 20 خبيراً دولياً في التحكيم التجاري، في حوار قضائي موسّع تناول إشكاليات تطبيق اتفاقية نيويورك لعام 1958، ونطاق الرقابة القضائية على أحكام التحكيم، وتفسير النظام العام كسبب لرفض التنفيذ. كما استعرض الملتقى نماذج من السوابق القضائية المقارنة، مما أسهم في تعميق الفهم المشترك لآليات إنفاذ أحكام التحكيم وتعزيز قابلية التنبؤ بالأحكام القضائية. هذا التعاون القضائي الإقليمي يعد خطوة هامة نحو توحيد الممارسات القضائية في العالم العربي، مما يعزز الثقة في الأنظمة القانونية ويشجع التجارة البينية والاستثمارات الإقليمية.
وقد شارك في تنظيم هذا الملتقى النوعي كل من المركز السعودي للتحكيم التجاري (SCCA)، والمجلس الدولي للتحكيم التجاري (ICCA)، وجامعة الدول العربية، والمركز العربي للبحوث القانونية والقضائية. هذه الشراكات الاستراتيجية تؤكد على التزام المملكة بالتعاون مع المؤسسات الدولية والإقليمية الرائدة لتعزيز البنية التحتية القانونية وتطويرها.
في إطار الاستثمار في الكفاءات القانونية الشابة وبناء محَكّمي المستقبل، اختُتمت النسخة السابعة من منافسة التحكيم التجاري الدولية بنجاح كبير. شهدت المنافسة مشاركة واسعة من فرق طلابية مثّلت كليات الشريعة والقانون والأنظمة والحقوق من 25 دولة. على مدار تسعة أشهر، خاض المشاركون تجربة عملية متكاملة في التحكيم التجاري الدولي، شملت إعداد المذكرات القانونية والترافع الشفهي في قضية تحكيم تجاري دولية افتراضية، تحت إشراف نخبة من المحكمين والخبراء الدوليين. أسهمت هذه المنافسة بشكل فعال في تعزيز الربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وبناء جيل مؤهل من ممارسي التحكيم وفق أفضل الممارسات العالمية، وهو ما يصب مباشرة في تحقيق أهداف رؤية 2030 بتنمية رأس المال البشري وتزويده بالمهارات اللازمة لسوق العمل المستقبلي.
كما شهد الأسبوع تنظيم اللقاء الدولي للاحتفاء بالذكرى الستين لتأسيس لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال – UNCITRAL). عكست هذه الأمسية الدولية عمق الشراكة بين المملكة والمنظمات الدولية، وسلّطت الضوء على الإسهامات الجليلة للأونسيترال في توحيد القواعد القانونية للتجارة الدولية ودورها المحوري في دعم استقرار الاستثمار العالمي. استضافة المملكة لهذا الحدث الهام يؤكد على مكانتها المتنامية كمضيف موثوق للفعاليات القانونية الدولية الكبرى، ويعزز من دورها في صياغة مستقبل القانون التجاري الدولي.
بمشاركة 380 متحدثاً من القيادات الحكومية والخبراء والممارسين في مجالات القانون والتحكيم وتسوية المنازعات، لم يكن أسبوع الرياض الدولي لتسوية المنازعات مجرد مؤتمر، بل كان ملتقى فكرياً ومعرفياً أسهم في تبادل الخبرات وأفضل الممارسات، ووضع خارطة طريق لتطوير آليات تسوية المنازعات بما يخدم الاقتصاد العالمي والمحلي. يرسخ هذا الحدث مكانة الرياض كمركز إقليمي ودولي رائد في مجال العدالة التجارية، ويعكس التزام المملكة بتوفير بيئة قانونية متطورة تدعم النمو الاقتصادي المستدام وتجذب الاستثمارات العالمية، مما يعزز من دورها كلاعب رئيسي على الساحة الاقتصادية والقانونية الدولية.


