في خطوة تعزز مكانتها كمركز عالمي رائد في قطاع التعدين، احتضنت العاصمة السعودية الرياض أعمال الاجتماع الدولي الثالث لقادة هيئات المسح الجيولوجي (IGSM)، والذي أقيم ضمن فعاليات النسخة الخامسة لمؤتمر التعدين الدولي. ترأس الاجتماع سعادة المهندس خالد بن صالح المديفر، نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين، بحضور المهندس عبدالله الشمراني، الرئيس التنفيذي لهيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وشهد هذا التجمع الدولي حضوراً استثنائياً هو الأكبر منذ انطلاقته، بمشاركة نخبة واسعة من قادة هيئات المسح الجيولوجي والخبراء من مختلف أنحاء العالم. يعكس هذا الحضور القياسي الأهمية المتزايدة التي توليها المملكة لقطاع التعدين، ودورها المحوري في تشكيل مستقبل هذا القطاع الحيوي على الصعيدين الإقليمي والدولي، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز الاقتصاد غير النفطي.
تأتي هذه الاجتماعات في وقت حرج يشهد فيه العالم طلباً متزايداً على المعادن الحيوية اللازمة للتحول نحو الطاقة النظيفة والتقنيات الحديثة. لطالما كانت البيانات الجيولوجية الدقيقة والموثوقة هي حجر الزاوية في أي جهود استكشاف وتعدين ناجحة. تاريخياً، اعتمدت الدول على المسوحات الجيولوجية لتحديد الثروات الكامنة في باطن الأرض، وهو ما أسهم في نهضة صناعات كبرى عبر العصور. وفي العصر الحديث، ومع التطور التكنولوجي المتسارع، أصبحت الحاجة إلى هذه البيانات أكثر إلحاحاً، خاصة مع تزايد تعقيد عمليات الاستكشاف وضرورة تحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية. تدرك المملكة العربية السعودية، بما تملكه من احتياطيات معدنية ضخمة غير مستغلة، أهمية تطوير هذا القطاع ليصبح الركيزة الثالثة للصناعة السعودية، إلى جانب النفط والبتروكيماويات.
افتتح المهندس المديفر الاجتماع بكلمة محورية أكد فيها أن مستقبل قطاع التعدين العالمي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى توافر بيانات جيولوجية دقيقة وموثوقة وسهلة الوصول. وصف هذه البيانات بأنها المحرك الأساسي لتسريع وتيرة الاكتشافات المعدنية وجذب الاستثمارات الضخمة اللازمة لتطوير هذا القطاع. وأوضح أن الهدف الأسمى لهذا الاجتماع هو بلورة حلول عملية ومبتكرة لجمع هذه البيانات وإتاحتها رقمياً، ليس فقط للجيولوجيين والباحثين، بل أيضاً لتمكين تقنيات الذكاء الاصطناعي من تحليلها واستخلاص رؤى قيمة منها. وشدد المديفر على ضرورة معالجة التحديات الكبرى التي تواجه القطاع، وفي مقدمتها «الغموض الجيولوجي» ونقص الكفاءات المتخصصة، معتبراً إياهما من أبرز العوائق التي تحول دون تحقيق الاستثمار الأمثل في الثروات المعدنية.
محاور رئيسية ومبادرات نوعية
تضمن جدول أعمال الاجتماع محاور رئيسية ركزت على بناء القدرات في مجال المسح الجيولوجي، وهو أمر حيوي لضمان استمرارية التطور والابتكار. وفي هذا السياق، تم استعراض مبادرتين نوعيتين تعدان نقلة نوعية في التعاون الجيولوجي الدولي. الأولى هي مبادرة إطار الكفاءات الجيولوجية العالمية المشتركة (CGGCF)، التي تهدف إلى توحيد معايير المهارات والخبرات الجيولوجية على مستوى العالم، مما يسهل تبادل المعرفة والارتقاء بالمستوى المهني. أما الثانية، فهي برنامج «الجيولوجيا بلا حدود» (Geoscience without Borders)، الذي يرمي إلى تعزيز تبادل الخبراء الجيولوجيين وسد الفجوات المهارية في المنطقة الجغرافية الشاسعة الممتدة من أفريقيا إلى غرب ووسط آسيا وأمريكا اللاتينية، وهي مناطق غنية بالموارد المعدنية ولكنها قد تفتقر أحياناً إلى الكفاءات المتخصصة أو البنية التحتية اللازمة للمسح الجيولوجي المتقدم.
وفي جلسة مخصصة لمناقشة محور «البيانات»، شارك خبراء من شركة «بي إتش بي» (BHP) العالمية الرائدة وهيئة المساحة الجيولوجية السعودية، حيث بحثوا سبل تطوير منصات بيانات جيولوجية رقمية تكون ميسورة التكلفة ومتاحة لجميع الدول الموردة، بما يخدم نماذج التعدين الحديثة التي تعتمد على التحليل الدقيق والسرعة في اتخاذ القرار. وتعتبر هذه الخطوة بالغة الأهمية لتمكين الدول النامية من الاستفادة القصوى من ثرواتها المعدنية. أما الجلسة الثالثة، فقد خصصت لمناقشة الدور المحوري لـ «مراكز التميز الجيولوجي» في إنشاء مساحات تعاونية عالمية تدعم استهداف عمليات الاستكشاف بدقة أعلى، مما يقلل من المخاطر ويزيد من كفاءة الاستثمار في هذا القطاع.
اختتم الاجتماع بالاتفاق على حزمة طموحة من المبادرات التنفيذية، شملت اعتماد إطار العمل العالمي للكفاءات، وإطلاق برنامج تبادل المهارات، وتكثيف الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي لسد فجوات البيانات وتحليلها بفعالية أكبر. وقد أكد المشاركون على ضرورة تحويل النقاشات المثمرة التي شهدها الاجتماع إلى خطوات عملية ملموسة عبر تشكيل مجموعات عمل متخصصة، على أن تقدم هذه المجموعات نتائجها وتوصياتها في اجتماع عام 2027. يمثل هذا التوجه نحو العمل التنفيذي تأكيداً على جدية هذه المبادرات ورغبة المشاركين في تحقيق تأثير حقيقي ومستدام. من المتوقع أن تسهم هذه المبادرات في تعزيز الأمن المعدني العالمي، ودعم التنمية المستدامة، وخلق فرص اقتصادية جديدة في المناطق المستهدفة، مما يعزز التعاون الدولي في مجال الجيولوجيا والتعدين.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الفعاليات تأتي في سياق النسخة الخامسة لمؤتمر التعدين الدولي، الذي يعد أحد أكبر وأهم التجمعات العالمية في هذا المجال. سينطلق المؤتمر غداً بمشاركة قياسية تتجاوز 20 ألف مشارك ونحو 400 متحدث من الوزراء والقيادات والخبراء والمتخصصين وممثلي الجهات الأكاديمية ومؤسسات التمويل العالمية. يتضمن برنامج المؤتمر سلسلة غنية من الفعاليات، تشمل «رحلة الاستثمار التعديني» و«بوابة التمويل» بالشراكة مع بنك مونتريال (BMO)، وورش عمل (MinGen) الموجهة للشباب والنساء في قطاع التعدين لتعزيز مشاركتهم، ومنصة (MinValley) للابتكار والتقنية التي تستعرض أحدث الحلول، بالإضافة إلى منصة تبادل المعرفة التي تجمع نخبة من الخبراء لمشاركة أحدث التطورات في مجالات الجيولوجيا والتقنية والاستدامة وتطوير الكفاءات. هذه الفعاليات المتكاملة تؤكد على الدور الريادي للمملكة في قيادة الحوار العالمي حول مستقبل التعدين.


