في تصعيد خطير للأعمال العدائية التي تشهدها السودان، أعلنت شبكة أطباء السودان عن مقتل 24 شخصًا، من بينهم ثمانية أطفال أبرياء، في هجوم وحشي شنته قوات الدعم السريع على حافلة تقل نازحين مدنيين في ولاية شمال كردفان. وقع هذا الهجوم المروع بالقرب من مدينة الرهد، مستهدفًا أرواحًا كانت تسعى للنجاة من جحيم الصراع الدائر في البلاد.
وأكدت الشبكة أن الحافلة المستهدفة كانت تقل عائلات فرت من القتال العنيف في منطقة دبيكر بشمال كردفان، بحثًا عن الأمان. ومن بين الضحايا الأطفال، كان هناك رُضَّع، مما يبرز الفظاعة غير المقبولة لهذا الاعتداء الذي يمثل انتهاكًا صارخًا لجميع الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية. وقد دعت شبكة أطباء السودان المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري والعاجل لتوفير الحماية للمدنيين العالقين في مناطق النزاع.
خلفية الصراع وتأثيره الإنساني:
تأتي هذه المجزرة في سياق الصراع المسلح المدمر الذي اندلع في السودان منذ منتصف أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وقد أدى هذا الصراع إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث نزح الملايين من منازلهم، وواجه عشرات الملايين خطر المجاعة. ولاية كردفان، بحدودها الشاسعة وموقعها الاستراتيجي، كانت ولا تزال إحدى أبرز بؤر هذا الصراع، مما يجعل سكانها عرضة بشكل خاص للعنف والتهجير القسري. لطالما كانت المنطقة مسرحًا للاشتباكات، مما فاقم من معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين نيران الأطراف المتحاربة.
إدانات دولية وتدمير المساعدات:
لم يقتصر الأمر على استهداف حافلة النازحين، فقد دانت وزارة الخارجية السودانية بشدة هجوم قوات الدعم السريع باستخدام مسيّرات على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي. كانت هذه الشاحنات تحمل مساعدات حيوية للمدنيين في شمال كردفان، وقد أسفر الهجوم عن سقوط ضحايا وتدمير المواد الإغاثية التي هي شريان الحياة للمحتاجين. وأكدت الوزارة أن استهداف قوافل الإغاثة يمثل انتهاكًا جسيمًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف، ويعد تقويضًا متعمدًا ومستمرًا لجهود إيصال المساعدات الإنسانية. ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة قوات الدعم السريع وداعميها على هذه الجرائم.
من جانبه، أعرب كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، عن إدانة الولايات المتحدة الشديدة للهجوم على قافلة برنامج الأغذية العالمي في شمال كردفان، واصفًا إياه بـ«المروع». وشدد بولس على أن الإدارة الأمريكية «لا تتسامح مطلقًا مع هذا الإزهاق للأرواح وتدمير المساعدات الممولة من الولايات المتحدة، ونطالب بالمساءلة»، مؤكدًا على ضرورة تقديم الجناة للعدالة.
تفاقم الأزمة الإنسانية:
تسببت أعمال العنف المتواصلة في كردفان في دفع مئات الآلاف من العائلات إلى حافة المجاعة، حيث تشير أرقام الأمم المتحدة إلى نزوح نحو 88 ألف شخص بين أكتوبر ويناير الماضيين وحدهما. وتتجاوز تداعيات الصراع كردفان لتشمل السودان بأكمله، حيث يواجه أكثر من 21 مليون شخص، أي ما يقرب من نصف عدد سكان البلاد، مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة. هذا الوضع الكارثي يتطلب استجابة دولية منسقة وفورية لوقف العنف وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
التأثيرات المتوقعة:
إن استهداف المدنيين وقوافل الإغاثة في كردفان له تداعيات وخيمة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محليًا، يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، وزيادة أعداد النازحين، وتدمير البنية التحتية الهشة. إقليميًا، يهدد هذا التصعيد بزعزعة استقرار المنطقة بأكملها، ويزيد من تدفق اللاجئين إلى الدول المجاورة التي تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية واجتماعية. دوليًا، يقوض الهجوم جهود الإغاثة الإنسانية العالمية، ويضع مصداقية القانون الدولي الإنساني على المحك، ويدعو إلى مزيد من الضغط الدبلوماسي والعقوبات لضمان حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.


