في خضم تصاعد التوترات والتهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، برز دور دبلوماسي جديد تقوده كل من روسيا والصين، حيث أعلن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف أن بلاده تعمل بشكل وثيق مع بكين لتهيئة بيئة مناسبة لإجراء محادثات مباشرة أو غير مباشرة بين واشنطن وطهران. يأتي هذا التحرك في وقت حرج، حيث تتجه الأنظار بقلق إلى جولة جديدة محتملة من المفاوضات النووية، وسط استمرار الحشد العسكري والتحذيرات التي قد تشعل صراعاً واسعاً في منطقة الشرق الأوسط.
خلفية التوتر: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغوط القصوى
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 2018، عندما قررت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الانسحاب بشكل أحادي من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة إعلامياً بـ “الاتفاق النووي الإيراني”، والذي تم توقيعه في عام 2015 بين إيران ومجموعة دول (5+1) التي تضم الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا. عقب الانسحاب، أعادت واشنطن فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران ضمن استراتيجية “الضغوط القصوى” بهدف إجبارها على التفاوض على اتفاق جديد بشروط أمريكية. ورداً على ذلك، بدأت إيران في التراجع تدريجياً عن بعض التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق، مما زاد من تعقيد المشهد.
جهود الوساطة في مواجهة التصعيد العسكري
أوضح ريابكوف في تصريحاته لوكالة “تاس” الروسية أن موسكو على اتصال دائم مع الشركاء الإيرانيين والصينيين، وأن التركيز الحالي ينصب على دعم المفاوضات غير المباشرة التي تجريها إيران مع الولايات المتحدة عبر وسطاء، مشيراً إلى أهمية دور دول مجموعة “بريكس” في التعبير عن تضامنها مع القضية الإيرانية. وتأتي هذه الجهود الدبلوماسية في وقت أعلنت فيه وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن استعدادها لعمليات عسكرية محتملة ضد إيران، مع إرسال تعزيزات تشمل حاملات طائرات وآلاف الجنود إلى المنطقة، مما يرفع من احتمالية نشوب صراع قد يكون أكثر خطورة من أي مواجهة سابقة بين البلدين.
الأهمية الاستراتيجية والتأثيرات المحتملة
تكتسب الوساطة الروسية-الصينية أهمية بالغة ليس فقط على الصعيد الإقليمي ولكن أيضاً على الساحة الدولية. فنجاح هذه الجهود قد يمنع اندلاع حرب مدمرة في الشرق الأوسط، من شأنها أن تزعزع استقرار المنطقة بأكملها وتؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع التهديدات التي تحيط بمضيق هرمز الاستراتيجي. على الصعيد الدولي، يعكس هذا التحرك تزايد نفوذ موسكو وبكين كقوتين قادرتين على لعب أدوار دبلوماسية رئيسية في قضايا كانت حكراً على الولايات المتحدة، مما يعزز فكرة التوجه نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب. وفي المقابل، يرى خبراء أن أي عمل عسكري أمريكي ضد إيران سيواجه بمخاطر جسيمة، نظراً للترسانة الصاروخية التي تمتلكها طهران وقدرتها على شن هجمات انتقامية عبر وكلائها في المنطقة، مما يهدد القوات والمصالح الأمريكية والإقليمية على حد سواء.


