في خطوة تعكس التوتر المتصاعد في العلاقات الثنائية، أعلنت روسيا، اليوم الخميس، طرد دبلوماسي ألماني من أراضيها، وذلك رداً مباشراً على إجراء مماثل اتخذته برلين في وقت سابق. يأتي هذا القرار، الذي أكدته وزارة الخارجية الروسية، ليضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الدبلوماسي المتأزم بين موسكو والعواصم الغربية.
وأوضحت الخارجية الروسية أنها استدعت رئيس البعثة الدبلوماسية الألمانية وسلمته مذكرة رسمية تفيد بأن موظفاً دبلوماسياً في السفارة الألمانية بات شخصاً غير مرغوب فيه. وشددت الوزارة على أن هذا الإجراء هو رد “متماثل” على قرار الحكومة الألمانية، محملة برلين “المسؤولية الكاملة عن التصعيد الجديد في العلاقات الثنائية”.
تُعد عمليات طرد الدبلوماسيين، أو إعلانهم “أشخاصاً غير مرغوب فيهم” (Persona Non Grata)، أداة شائعة في الدبلوماسية الدولية تُستخدم للتعبير عن الاستياء الشديد أو كإجراء انتقامي. وقد شهدت العلاقات بين روسيا والدول الغربية، بما في ذلك ألمانيا، سلسلة من هذه الإجراءات المتبادلة في السنوات الأخيرة، غالباً ما تكون مرتبطة بقضايا التجسس المزعوم أو التدخل في الشؤون الداخلية. ففي عام 2018، على سبيل المثال، شهد العالم موجة واسعة من طرد الدبلوماسيين الروس من دول غربية، رداً على تسميم العميل المزدوج السابق سيرغي سكريبال في المملكة المتحدة، وهو ما قوبل برد روسي مماثل.
وفي السياق الألماني الروسي تحديداً، تدهورت العلاقات بشكل ملحوظ على خلفية قضايا متعددة. من أبرزها قضية تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني عام 2020، حيث اتهمت ألمانيا موسكو بالوقوف وراء الهجوم، وهو ما نفته روسيا بشدة. كما تضمنت التوترات اتهامات متبادلة بالتجسس الإلكتروني، وقضايا حقوق الإنسان، والخلافات حول مشاريع الطاقة مثل خط أنابيب نورد ستريم 2. هذه الخلفية التاريخية من التوتر المستمر تشكل الإطار الذي يتم فيه هذا الطرد الدبلوماسي الأخير.
وفي بيانها، رفضت الخارجية الروسية بشكل قاطع الاتهامات بالتجسس التي وجهتها السلطات الألمانية لدبلوماسيها المطرود، واصفة إياها بأنها “لا أساس لها من الصحة” و”ملفقة في إطار ما يسمى بـ ‘هوس التجسس’ الذي تروج له السلطات الألمانية”. واعتبرت موسكو أن تصرفات الجانب الألماني تمثل “استفزازاً رخيصاً يهدف إلى تشويه سمعة البعثة الدبلوماسية الروسية في ألمانيا”.
وكانت ألمانيا قد بادرت بإعلان طرد دبلوماسي روسي في 22 يناير الماضي، متهمة إياه بالتجسس. هذا الإجراء الألماني جاء على الأرجح في سياق تحقيقات أو معلومات استخباراتية تتعلق بأنشطة غير مشروعة مزعومة. الرد الروسي الحالي يؤكد مبدأ “المعاملة بالمثل” الذي يحكم جزءاً كبيراً من العلاقات الدبلوماسية، حيث غالباً ما تُقابل أي خطوة عدائية أو غير ودية بخطوة مماثلة من الطرف الآخر.
إن تداعيات هذا التصعيد الدبلوماسي تتجاوز مجرد طرد دبلوماسي واحد. على الصعيد الثنائي، فإنه يعمق الشرخ بين موسكو وبرلين، ويقلص قنوات الاتصال الضرورية في أوقات الأزمات. كما أنه قد يؤثر على التعاون في مجالات أخرى، حتى وإن كانت محدودة حالياً. إقليمياً ودولياً، يعكس هذا الحدث استمرار حالة عدم الثقة والتوتر بين روسيا والغرب، ويؤكد أن العلاقات الدبلوماسية لا تزال هشة وتخضع لضغوط جيوسياسية كبيرة. من المتوقع أن تستمر هذه الدورة من الردود المتبادلة طالما بقيت القضايا الأساسية التي تغذي التوتر دون حل، مما يجعل آفاق تحسين العلاقات على المدى القريب تبدو بعيدة المنال.


