في تأكيد جديد على ثوابت السياسة الخارجية الروسية تجاه الصراع الدائر في شرق أوروبا، جددت موسكو موقفها الصارم بشأن شروط أي تسوية مستقبلية للأزمة الأوكرانية. وأوضحت القيادة الروسية بشكل قاطع أنه لا مجال للتنازل عن الأراضي التي انضمت حديثاً إلى الاتحاد الروسي، بالتزامن مع رفضها المطلق لأي وجود لحلف شمال الأطلسي (الناتو) على الأراضي الأوكرانية، معتبرة أن هذه النقاط تشكل خطوطاً حمراء تمس الأمن القومي الروسي بشكل مباشر.
الثوابت الروسية: الواقع الجغرافي الجديد
تأتي هذه التصريحات لترسخ مبدأ «الواقع الجغرافي الجديد» الذي يتحدث عنه المسؤولون الروس باستمرار. فمنذ بدء العمليات العسكرية في فبراير 2022، وما تبعها من استفتاءات في مناطق دونيتسك، ولوغانسك، وزاباروجيا، وخيرسون، تعتبر موسكو هذه المناطق جزءاً لا يتجزأ من أراضيها الدستورية. ويشير المحللون إلى أن أي مفاوضات سلام مستقبلية ستصطدم بهذه العقبة الرئيسية، حيث تشترط كييف العودة إلى حدود عام 1991، بينما تصر موسكو على الاعتراف الدولي بضم هذه الأقاليم كشرط مسبق لأي حوار جاد.
عقدة توسع الناتو والأمن القومي
على الجانب الآخر، يظل ملف توسع حلف الناتو شرقاً هو المحرك الأساسي للمخاوف الروسية. تاريخياً، حذرت موسكو منذ مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 من أن اقتراب البنية التحتية العسكرية للحلف من حدودها يعتبر تهديداً وجودياً. وتنظر روسيا إلى احتمالية انضمام أوكرانيا للحلف، أو حتى وجود قواعد عسكرية غربية فيها، بمثابة «مسدس مصوب نحو رأس موسكو». لذلك، فإن مطلب «حياد أوكرانيا» ونزع سلاحها يظل ركيزة أساسية في العقيدة العسكرية والسياسية للكرملين لإنهاء الحرب.
السياق الدولي وتأثير الجمود الحالي
يأتي هذا التشدد في الموقف الروسي وسط مشهد دولي معقد، حيث يسعى الغرب لمواصلة دعم أوكرانيا عسكرياً واقتصادياً لاستعادة أراضيها، بينما تراهن روسيا على عامل الوقت وتغير المزاج السياسي في الدول الغربية. هذا التباين الكبير في الأهداف الاستراتيجية بين طرفي النزاع يجعل من فرص التوصل إلى حل دبلوماسي أمراً بعيد المنال في المدى المنظور. كما أن لهذا الجمود تداعيات إقليمية ودولية واسعة، بدءاً من أزمة الطاقة العالمية، وصولاً إلى إعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية بين الشرق والغرب، مما يضع النظام العالمي أمام اختبارات غير مسبوقة منذ انتهاء الحرب الباردة.


