spot_img

ذات صلة

محادثات جنيف: روسيا وأوكرانيا ومستقبل السلام

في جولة جديدة وحاسمة من محادثات السلام، تستضيف مدينة جنيف السويسرية لقاءً بين مسؤولين رفيعي المستوى من أوكرانيا وروسيا، برعاية الولايات المتحدة الأمريكية. تهدف هذه الجولة، التي تمتد على مدى يومي الثلاثاء والأربعاء، إلى استكشاف سبل حل النزاع المستمر، إلا أن المؤشرات الأولية توحي بتباعد كبير في المواقف، خاصة فيما يتعلق بمسألة الأراضي، التي تشكل نقطة الخلاف الرئيسية.

وصل الوفد الروسي إلى مطار جنيف على متن طائرة خاصة من طراز “إيل-96″، استعدادًا لهذه المفاوضات المعقدة التي تجمع بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وقد صرح الكرملين، على لسان المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف، بأن الهدف هذه المرة هو مناقشة عدد أكبر من القضايا، مع التركيز على الملفات الأساسية المتعلقة بالأراضي والمطالب الروسية.

الخلفية التاريخية للصراع وتأثيراته الجيوسياسية:

الصراع بين روسيا وأوكرانيا ليس وليد اللحظة، بل يمتد جذوره إلى عام 2014 مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في منطقة دونباس الشرقية. وقد شهدت تلك الفترة توقيع اتفاقيات مينسك (الأولى والثانية) التي سعت لوقف إطلاق النار وإيجاد حل سياسي، لكنها فشلت في تحقيق سلام دائم. تصاعدت الأزمة بشكل دراماتيكي مع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، مما أدى إلى دمار واسع النطاق وأزمة إنسانية غير مسبوقة، وأعاد تشكيل المشهد الجيوسياسي العالمي.

نقاط الخلاف الرئيسية والتحديات الراهنة:

تطالب روسيا أوكرانيا بالتنازل عن المناطق التي لا تزال تسيطر عليها في إقليم دونيتسك الشرقي، وهي مناطق لم تتمكن القوات الروسية من السيطرة عليها بالكامل. هذا المطلب يقابله رفض قاطع من كييف، التي تؤكد على سيادتها ووحدة أراضيها ضمن الحدود المعترف بها دوليًا. بالإضافة إلى قضية الأراضي، تظل هناك قضايا أخرى معقدة ومتباينة، مثل مصير محطة زابوريجيا للطاقة النووية، أكبر محطة نووية في أوروبا، والتي يثير وضعها مخاوف دولية بشأن السلامة والأمن. كما يبرز دور القوات الغربية المحتمل في أوكرانيا بعد انتهاء الحرب كملف شائك آخر. تحتل روسيا حاليًا حوالي 20% من الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك شبه جزيرة القرم وأجزاء من منطقة دونباس الشرقية التي سيطرت عليها موسكو قبل غزو عام 2022.

أهمية المحادثات وتأثيرها المتوقع:

على الرغم من التوقعات المتدنية بإحراز تقدم كبير، تكتسب هذه المحادثات أهمية بالغة كقناة دبلوماسية حيوية. فالصراع الأوكراني له تداعيات إقليمية ودولية واسعة؛ فقد أدى إلى زعزعة استقرار شرق أوروبا، وتسبب في أزمة لاجئين ضخمة، وزاد من المخاوف الأمنية في القارة بأكملها. على الصعيد العالمي، أثر النزاع على أسواق الطاقة، وعطل سلاسل الإمداد الغذائية (خاصة وأن أوكرانيا من كبار مصدري الحبوب)، وأعاد تقييم بنية الأمن الدولي. لذا، فإن أي خطوة نحو التهدئة أو السلام، مهما كانت صغيرة، يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي على الاستقرار العالمي والاقتصاد الدولي.

الوفود المشاركة ومستوى التوقعات:

يرأس الوفد الروسي فلاديمير ميدينسكي، أحد مساعدي الرئيس فلاديمير بوتين، ويشارك معه رئيس المخابرات العسكرية الروسية إيغور كوستيوكوف. كما يشارك كيريل ديمترييف، المبعوث الخاص لبوتين، ضمن مجموعة عمل منفصلة تركز على القضايا الاقتصادية. من الجانب الأوكراني، يرأس الوفد رستم عمروف، أمين عام مجلس الأمن القومي والدفاع، إلى جانب كيريلو بودانوف، رئيس مكتب الرئيس زيلينسكي. أعرب الرئيس زيلينسكي عن أمله في أن تكون محادثات جنيف جادة وجوهرية، لكنه أشار بصراحة إلى أن الطرفين يبدوان أحيانًا وكأنهما يتحدثان عن أمور مختلفة تمامًا. وقد سبق للمفاوضين الأوكرانيين اتهام ميدينسكي في جولات سابقة بإلقاء “محاضرات تاريخية” عليهم، وهو ما اعتبروه ذريعة للغزو الروسي. ورغم هذه التحديات، أكد عمروف قبل مغادرة الوفد الأوكراني أن هدف أوكرانيا المتمثل في “سلام مستدام ودائم” لم يتغير.

تظل الآمال في تحقيق اختراق كبير في محادثات جنيف ضعيفة، نظرًا للعمق التاريخي للصراع والتباين الجذري في مطالب الطرفين. ومع ذلك، فإن استمرار الحوار الدبلوماسي يظل ضرورة قصوى، كخطوة أولى نحو بناء الثقة، وربما، في المستقبل البعيد، إيجاد حلول مستدامة لهذا النزاع المدمر.

spot_imgspot_img