أفصح المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن جولة مفاوضات جنيف المرتقبة ستتناول نطاقًا أوسع من القضايا مقارنة بالجولات السابقة، مع التركيز بشكل خاص على ملف الأراضي. هذا الإعلان يؤكد على الأهمية المحورية للنزاع الإقليمي في قلب الصراع بين روسيا وأوكرانيا، ويشير إلى مرحلة جديدة من المحادثات تهدف إلى معالجة الجذور العميقة للأزمة.
وأوضح بيسكوف أن جدول أعمال هذه الجولة سيشمل “نطاقًا أوسع من القضايا، بما في ذلك القضية الرئيسية المتعلقة بالأراضي وكل ما يخص مطالبنا”. وأكد على أن وجود كبير المفاوضين الروس، فلاديمير ميدينسكي، أمر “ضروري” في هذه المحادثات، مما يبرز ثقل الملفات المطروحة وحساسيتها. كما أشار إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على اتصال دائم بالمفاوضين المعنيين بالتسوية الأوكرانية، وقد قدم توجيهات مفصلة للوفد الروسي قبل توجهه إلى جنيف، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها موسكو لهذه المفاوضات.
من جانبها، طالبت روسيا أوكرانيا بالانسحاب من منطقة دونيتسك والاعتراف بضم الأراضي الأوكرانية التي تحتلها، وهي مطالب تعكس جوهر الخلاف الإقليمي وتضع شروطًا صعبة على طاولة المفاوضات. هذه المطالب تأتي في سياق تصاعد التوترات وتأكيد كل طرف على مواقفه السيادية.
في المقابل، أعلن رئيس مكتب الرئيس الأوكراني، كيريل بودانوف، مغادرة وفد بلاده إلى جنيف للمشاركة في جولة جديدة من المفاوضات مع روسيا، والتي تتم بوساطة أمريكية. وكتب بودانوف: “توجهنا إلى جنيف. نحن على أعتاب جولة جديدة من المفاوضات”، مشيرًا إلى أن الوفد يضم سيرغي كيسليتسا، النائب الأول لرئيس مكتب زيلينسكي، وفاديم سكيبتسكي، نائب رئيس الاستخبارات العسكرية، مما يدل على مستوى التمثيل الرفيع والاستعداد الأوكراني للمحادثات.
الخلفية التاريخية وأهمية النزاع الإقليمي:
تعتبر قضية الأراضي جوهر الصراع الروسي الأوكراني الذي تصاعد بشكل كبير منذ عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم ودعمت الانفصاليين في منطقتي دونيتسك ولوغانسك في شرق أوكرانيا، والمعروفتين باسم دونباس. هذه الأحداث أدت إلى حرب مستمرة وتوتر جيوسياسي عميق. وقد حاولت اتفاقيات مينسك (مينسك 1 ومينسك 2) في عامي 2014 و2015 وضع إطار لوقف إطلاق النار وتسوية سياسية، لكنها لم تنجح في حل النزاع الإقليمي بشكل دائم، وظلت نقاط الخلاف حول السيادة والحدود قائمة، مما يجعل أي مفاوضات جديدة حول الأراضي ذات أهمية قصوى.
الأهمية والتأثير المتوقع للمفاوضات:
- على الصعيد المحلي (أوكرانيا وروسيا): تمثل هذه المفاوضات فرصة، وإن كانت صعبة، لخفض التصعيد وربما التوصل إلى حلول دبلوماسية تنهي الصراع المسلح الذي أودى بحياة الآلاف وشرد الملايين. بالنسبة لأوكرانيا، فإن الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها هو الهدف الأسمى. أما بالنسبة لروسيا، فتهدف إلى تأمين مصالحها الأمنية والجيوسياسية في المنطقة.
- على الصعيد الإقليمي (أوروبا): يؤثر الصراع بشكل مباشر على الأمن والاستقرار في أوروبا. أي تقدم في مفاوضات جنيف يمكن أن يخفف من التوترات الإقليمية، ويقلل من مخاطر التصعيد العسكري، ويساهم في استقرار أسواق الطاقة العالمية التي تأثرت بشدة بالصراع. كما أن تدفق اللاجئين وتداعيات العقوبات الاقتصادية تلقي بظلالها على القارة بأكملها.
- على الصعيد الدولي: تعكس هذه المفاوضات تحديًا كبيرًا للنظام الدولي القائم على احترام السيادة الوطنية وسلامة الأراضي. نجاح الدبلوماسية في جنيف يمكن أن يعزز مبادئ القانون الدولي ويؤكد على أهمية الحلول السلمية للنزاعات. كما أن الدور الأمريكي كوسيط يؤكد على الاهتمام الدولي بإنهاء هذا الصراع الذي له تداعيات عالمية على الأمن والاقتصاد والتحالفات الجيوسياسية.
وكان المتحدث باسم الكرملين قد صرح يوم الجمعة الماضي أن الجولة الجديدة من المفاوضات بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا ستعقد في جنيف يومي 17 و18 فبراير، برئاسة فلاديمير ميدينسكي للوفد الروسي. وفي ظل هذه التحديات، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن كييف تبذل “كل ما في وسعها” لإنهاء الحرب، مما يبرز الإرادة السياسية لإنهاء الصراع، رغم تعقيداته الجوهرية.


