مع اقتراب الحرب الروسية الأوكرانية من إتمام عامها الرابع، تتجه الأنظار إلى جنيف التي من المقرر أن تستضيف جولة مفاوضات جديدة الأسبوع المقبل، في محاولة لإيجاد مخرج دبلوماسي للصراع الذي ألقى بظلاله على الأمن والاقتصاد العالميين. وأعلن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، يوم الجمعة، أن وفوداً من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة ستجتمع يومي 17 و18 فبراير الجاري، مما يمثل خطوة دبلوماسية مهمة قد تفتح الباب أمام تسوية سياسية.
خلفية الصراع ومسار المفاوضات المتعثر
تعود جذور هذا الصراع إلى عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم ودعمت الانفصاليين في شرق أوكرانيا، مما أشعل حرباً في إقليم دونباس. لكن نقطة التحول الكبرى كانت في فبراير 2022، مع بدء الغزو الروسي الشامل الذي أدى إلى أكبر حرب برية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وعلى مدار السنوات الماضية، عُقدت عدة جولات من المفاوضات، أبرزها تلك التي جرت في بيلاروسيا وتركيا في الأسابيع الأولى من الغزو، لكنها لم تسفر عن نتائج ملموسة بسبب تباعد المواقف حول القضايا الجوهرية مثل وضع الأراضي التي تسيطر عليها روسيا والضمانات الأمنية لأوكرانيا.
موقف كييف وشروط السلام
من جانبه، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن كييف تتعامل بإيجابية مع المقترحات الأمريكية لإنهاء الحرب، مشدداً في الوقت ذاته على أن أي اتفاق يجب ألا يمس بمصالح أوكرانيا وسيادتها. وفي مقابلة مع مجلة “ذي أتلانتيك”، أبدى زيلينسكي استعداد بلاده لإجراء انتخابات رئاسية واستفتاء شعبي على أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه، لكنه ربط ذلك بضرورة تحقيق وقف شامل لإطلاق النار وتوفير ضمانات أمنية دولية قوية تمنع أي عدوان مستقبلي. ونفى زيلينسكي التقارير التي تحدثت عن إجراء انتخابات في ذكرى الغزو يوم 24 فبراير، مؤكداً أن “لا أحد يتشبث بالسلطة”، لكن الأولوية القصوى تبقى لتحقيق الأمن والاستقرار أولاً.
الأهمية والتأثيرات المحتملة
تحمل هذه المفاوضات أهمية كبرى على كافة الأصعدة. فعلى الصعيد المحلي، يترقب ملايين الأوكرانيين أي بادرة أمل لإنهاء المعاناة الإنسانية وإعادة بناء بلادهم. أما إقليمياً، فإن التوصل إلى تسوية من شأنه أن يخفف من حدة التوتر الأمني على حدود أوروبا الشرقية ويقلل من أعباء أزمة اللاجئين. ودولياً، تسببت الحرب في اضطرابات هائلة في أسواق الطاقة والغذاء العالمية، وأدت إلى استقطاب جيوسياسي حاد. لذلك، فإن أي تقدم في محادثات جنيف لن يكون مهماً فقط لطرفي النزاع، بل سيشكل بارقة أمل للاستقرار العالمي. ويبقى نجاح هذه الجولة مرهوناً بمدى قدرة الأطراف، وبخاصة مع الدور الأمريكي الفاعل، على تجاوز الخلافات العميقة والتوصل إلى حلول وسط تضمن سلاماً عادلاً ومستداماً.


